قطع 80 كيلومتراً ليبيع “الشلن” بـ50 ألف جنيه.. العملات القديمة في مصر بين الثراء والسراب

القاهرة – ياسر خليل

دخل رجل ريفي يبدو رقيق الحال إلى مكتب متخصص في تجارة العملات القديمة بوسط العاصمة المصرية، ممسكاً بعملة معدنية قديمة تسمى “شلن”. لم تعد تلك العملة متداولة في مصر، و”الشلن” هو الاسم العامي لفئة 5 غروش، ويساوي الجنيه 100 غرش، فيما يساوي الدولار الأميركي الواحد قرابة 15.66 جنيهاً مصرياً.

أنفق الرجل البسيط قرابة 200 جنيه في رحلته من قريته بمحافظة المنوفية التي تبعد من القاهرة 80 كليومتراً، حتى يأتي بـ”الشلن” لبيعه في القاهرة. على الرغم من ضآلة قيمة هذه العملة الصغيرة، إلا أن الرجل سمع أنها تباع بنحو 50 ألف جنيه، لذا تكبد عناء السفر وتحمل المصروفات التي ربما اقترضها.

ويروي مدير المبيعات بمكتب “عملاتي” لتجارة العملات القديمة أكرم بشير كيف أنه بات حائراً أمام دموع هذا الرجل الذي بكى قائلاً: “ماذا أفعل الآن؟ لقد أتيت من المنوفية، وأنفقت أكثر من 200 جنيه، وقد قالوا لي إن الشلن يساوي 50 ألف جنيه، فأتيت وكلي أمل بأن استطيع بيعه لإجراء عملية لابنتي”.

خيبة أمل

ما حدث للريفي البسيط هو نموذج يتكرر بصور مختلفة، فالكثير من الناس أصبحوا ينقبون في ما لديهم من عملات قديمة، ويسافرون لمحافظات أخرى على أمل بأن بيع ما لديهم من العملات القديمة سيحقق لهم الثراء الذي يحلمون به.

وتقول علياء وهي شابة من الإسكندرية تعيش بالقاهرة لوكالة النهار العربي: “بعدما قرأت الأرقام الكبيرة للعملات القديمة، عدت سريعاً في أول أجازة عمل إلى بيتنا بالإسكندرية، ونقبت في برطمان العملات القديمة الذي نحتفظ به منذ سنوات”.

وتضيف علياء: “ذهبت إلى أحد التجار، فصدمت من الأسعار التي عرضها لشراء ما لدي. قرأت في بعض الصحف أن بعض العملات القديمة التي نملك قدراً وفيراً منها تساوي 20 ألف جنيه أو 30 ألفاً للواحدة منها، كنت أحلم بأن أحصل على مبلغ كبير يغير حياتي وحياة أسرتي”.

ويقول خبراء ومتخصصون إن “كون العملة قديمة لا يعني أنها مرتفعة الثمن، العبرة بمدى ندرتها، ومن العملات المصرية النادرة: ريال السلطان فؤاد، وقد بيع في أحد المزادات بقيمة 100 ألف جنيه استرليني، وجنيه الجملين الذي يراوح سعره ما بين 100 ألف جنيه مصري و300 ألف، ونصف أبو الهول بين 300 ألف و500 ألف”.

معلومات ناقصة

ويقول أكرم بشير إن “ما تقدمه بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يؤذي هواية جمع العملات، ويضلل الناس، ويضرهم. إن ما يتم تداوله غالباً هو معلومات ناقصة، والهدف من ذلك الحصول على زيارات ومتابعين، بغض النظر عن الضرر الذي يحدث”.

ويضيف مدير مبيعات “عملاتي”: “بعض النقود التي يقولون إنها تساوي مبالغ طائلة، تباع بالكيلو، لأنها متوافرة بكثافة، أما العملات التي تباع بمبالغ كبيرة – وبالمناسبة ليست كبيرة بالقدر الذي يشاع – هي عملات تتميز بندرتها”.

ما يحدث حسب رأي بشير هو “أن من يروجون المعلومات المضللة، يأخذون جزءاً من المعلومة ويبنون عليه قصة غير حقيقية. على سبيل المثال، إنهم ينشرون صورة ظهر الـ10 مليم الصادرة في العام 1973 وعليها صقر، ويقولون إنها تساوي 10 آلاف جنيه، في حين أن العملة النادرة هي مليم صدر في 1980 وبه خطأ. العملة الأولى متوافرة بكميات كبيرة، ويمكن بيعها بالكيلو، لكن مليم 1980 الهجين، هو النادر، وندرته هذه هي التي تعطيه قيمة عالية تصل إلى 1000 جنيه”.

هواية الملوك

 استشعر محمود العرابي وهو من هواة جمع العملات القديمة الخطر الذي يهدد هوايته بسبب المعلومات “المغلوطة” التي يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لذا أسس قناة متخصصة في التعريف بتلك العملات تحت اسم “هواية الملوك”، للتحذير من عمليات النصب والخداع.

ويقول العرابي الذي يمتلك مكتباً لتجارتها بوسط القاهرة للنهار العربي: “عملت على توعية الناس بالعملات التي لها قيمة حقيقية، وحذرتهم من عمليات تزوير تتم وذلك من خلال قناتي على يوتيوب، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى”.

ويضيف هاوي العملات: “لقد حدث هوس في مجال العملات القديمة في الآونة الأخيرة، لأن من يروجون للمعلومات المضللة ينشرون عن عملات متوافرة عند الكثير من الناس، وبالطبع حين تعلم أن لديك شيئاً يساوي مبلغاً كبيراً، سوف تهتم بالاطلاع على المحتوى، وناشرو المحتوى المضللون من جانبهم يجنون زيارات ومتابعات، ثم تكتشف بعد ذلك أن ما سمعته غير حقيقي”.

ويوضح العرابي: “العملات مرتفعة الثمن، في الغالب تعود للفترة من عام 1899 مع بداية إنشاء البنك الأهلي المصري، وحتى 1910 وهي تتضمن أول إصدارات للعملات، وهي نادرة للغاية. أما الفترة من 1950 وحتى الآن فهي في الغالب عملات متوافرة بغزارة، لأنه تم صك الكثير منها، وبعضها أنتج منه ما بين 27 مليون قطعة إلى 30 مليوناً”.

وعن السوق في مصر مقارنة بالخارج، يقول: “بعض العملات النادرة تباع في مصر بأسعار أغلى من مثيلاتها بالخارج، وبعضها يفضل أن يباع في الخارج حيث توجد مزادات، ومن تلك العملات الجنيه ذو الجملين، وريال السلطان فؤاد وهو نادر للغاية وأغلب النسخ المتداولة منه مزيفة”.

Read Previous

إنشاء وحدة لمكافحة الإرهاب الدّاخلي في الولايات المتّحدة

Read Next

الأطفال ممنوعون من شراء الزيت.. غلاء الخبز وندرة الحليب يصدمان الجزائريين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *