هالا آل خليفة تُقارب فنياً بين “برقع” الطّير والكمامة – مهى سلطان

أثار المعرض الجديد للفنانة هلا آل خليفة الذي أقامته بعنوان “البرقع” في صالة قلعة الشيخ سلمان بن أحمد الفاتح في منطقة الرفاع الشرقي في البحرين (ما بين 7 و9 يناير كانون الثاني الجاري)، أكثر من سؤال حيال التشابه الوثيق في حياتنا المعاصرة ما بين الكمامة وبرقع الصقر.

 وقد اعتادت آل خليفة أن تواظب خلال مسيرتها الفنية على استلهام مواضيع تجهيزاتها المفاهيمية وأجواء لوحاتها التعبيرية من مسائل تعزيز التراث وصونه، والحفاظ على البيئة وإدخالها بقوة في إنجازاتها الفنية المعاصرة. لذا قدمت للمعرض بكلمة نوّهت فيها بأن هذه الأعمال الفنية “تشكلت نتيجة الظروف المربكة التي أحاطت بكل تفاصيل حياتنا، وأتى التشبيه بين الكمامة وبرقع الطير لوظيفة أساسية، وهو أن كليهما من أجل الحماية. فالطير يشعر بالهدوء والسكينة عند لبس البرقع، والكمامة كانت وقاية لنا من وباء لا يرى بالعين المجردة. تعددت الوسائل للحصول على شعور الحماية والطمأنينة. إذ تترجم هذه المجموعة جزءاً من جمال ثقافتنا الأصيلة وارتباطها بوضع صحي تعيشه أوطاننا في هذه الفترة”.

تشغل هالا آل خليفة منذ عام 2005 منصب المديرة العامة للثقافة والفنون في هيئة البحرين للثقافة والآثار، وهي ناشطة فنية واجتماعية، ولعلّ هذه المهام الثقافية تضعها كل يوم أمام تحديات علاقة الفن بأزمات الحياة اليومية، لكي تسلّط الضوء على كل ما هو مؤلم وموجع لكينونة الإنسان في عصر الحروب والهجرات والسفر عبر الزوارق المطاطية عبر البحار بحثاً عن اللجوء والأمان. وهو الموضوع الذي أثارته من قبل عن معاناة الاقتلاع والرحيل الى المجهول وخطر الموت في عرض البحر في معرضها السابق الذي حمل عنوان “المصير”.

“الأفكار تُسيّر العالم”

في معرضها الحالي، عملت هلا آل خليفة على استحضار رمز من رموز التراث المرتبط بالقنص والصيد والصحراء ووجاهة العائلات النبيلة وعراقتها في تدجين الصقور. هذا الرمز الذي دخل في الذاكرة الجماعية والعادات والتقاليد الخليجية، استخدمته عنصراً محفّزاً للتأويل والتجديد في رؤية تفاعلية مع مستجدات الحاضر، في بحثها عن جدلية تلك العلاقة ما بين الإنسان والطير.

من هنا جاءت فكرة البرقع الذي يوضع على عين الصقر لحمايته وحماية الصقّار في آن، من خلال إعداد عمل تجهيزي لمجسم خشبي كبير مطلي باللون الأزرق، يُظهر لأول مرة هذا البرقع بشكله الكروي المفتوح وأربطته، كعمل إرسائي ذي مواصفات جمالية لم ينتبه اليها أحد من قبل، وهو يتوسط قاعة العرض التي ضمت مجموعة من اللوحات الزيتية تجسد بأسلوب تعبيري متحرر مناخات أشبه بقصيدة طويلة، ذات إيقاع واحد ومختلف في الوقت نفسه، إيقاعات انسياب جسد الصقر، فتجعله بلمساتها يفيض لوعة في سلبه حرية البصر (عند إلباسه البرقع).

أن تموت حراً أو تعيش ملزماً بقيد الأمان هذا الصراع يتمثل أكثر ما يكون في إحدى قصائد الشاعر أدونيس: “أغمض عينيك، لتعرف كيف تشاهد وجه الواقع في أحلام ماتت، لا أحيا في هذا التاريخ، ولا أتشرد فيه إلا كي أخرج منه”.

فالصورة السوداوية التي يشعر بها الصقر جاءت تلبية لحاجات مستديمة لحمايته من نفسه ولحماية الآخرين منه، تماماً كما لعبت الكمامة في مجريات أزمنتنا الراهنة دورها لحمايتنا من وباء كورونا في مراكز أعمالنا ولقاءاتنا. لقد أضحى لبس البرقع (أو الكمامة) مجالين للتماهي ومطلباً للحماية وسبباً للنجاة والفوز بالحياة، ولو كانت مهددة بالضيق والانعزال. فالصقر ينتحِر عندما تُسلب منه حريته، إذ إن الكرامة تكاد تكون شأناً غريزياً، فكيف لا تكون كذلك لدى البشر.

صراخ مكتوم

في لوحاتها تمسح هلا آل خليفة ما انتفض وما التهف وما تمرّغ وما استرق في عين الطائر، وهي تعيد رسم معالم الأشياء المخفية الى أحجامها كأشياء سائلة بلا أحجام ولا التماع في سياقات تخطيطات “هاشورية” موزعة على فوضى، كما ألوانها تبصر بعين الصقر على يقظة مخلوعة ورؤية صارخة ومكتومة، تنبثق من فراغ ما بين الارتعاش والغيبوبة.

كل ذلك كي تقطف جسد الطير وهو يتأوّه وينتفض بريشه ويقاوم، بأسلوب في الرسم يعتمد على غموض الفحوى التصويري، ضمن تآليف عمودية، كما يعتمد على الانفعال اللحظي، وتجلياته الباهرة من خلال ضربات لونية ساطعة بقوتها تتمظهر في نشدان أجزاء خاطفة من جسد أو قطعة من حياة ساكنة أو بقع دماء على جناح مبتور.

ثمة أشكال كروية تشبه الكمامة، تحمل معاني خطر الموت الجاسم على الجسد، تربض على منحدرات الرئتين والقصبات الهوائية في القفص الصدري، ربما لأن هول الفجيعة في أيامنا الراهنة يكمن في نقص الأوكسجين. فـ”الكورونا” هو خلل كامن في صعوبة تنفس الهواء، تماماً كخلل إغماضه عين الطائر عن زرقة السماء.

لذا فإنّ هلا آل خليفة ترسم ما لا يبصره الطائر المروض بالبرقع من عوالم داخلية دفينة. ترسم صرخات منغلقة، لا تتفتح، بل تنقبض على نقاء داخلي يحاصر ما سوف يبقى من جسد الطائر، وهو يختصر صفاءه الأبدي ويعلن فراغه، حيث الضياع الأكيد لجسد يخرج عارياً من جسده، ويتعقب طمأنينة الفراغ وسط ضوء خفي يحاصر صراخه المكتوم. إنه الصراخ الذي يمتد عميقاً كأشلاء تنحني وتنساب نحو موتها البطيء في زمن غامض لعدو لا يُرى، زمن “الكورونا” الذي يفيض بعتبات أسرار الحماية من خلال كمامات تحاصر الوجوه من كل الجهات. هذا الحصار الذي تعرفه عين الطير المغلقة التي لا ترى سوى الصمت، مثل تنهدات بطيئة ورعشات الاختناق الغامضة.

مهما بدا أسلوب هالا آل خليفة بسيطاً في تلقائيته، غير أن فرديتها المتصاعدة تأخذ العين الى التجريد والتمويه والإيهام والظنون. يتراءى أحياناً في لوحاتها خيط مأخوذ حتى آخر ضوء، خيط لمسات لونية تحفر هواء من يرى في العتمة سياقات اللحظات المرتعشة خلف مدارات الخوف وطموحات الحياة الرضية، التي تعبّر عن وجود الحياة واستمراريتها، وهي دليل على مخاطر هذا الجنون الوبائي وعلى العناصر الإلغائية التي أضحت تسم الحياة وتجعلها تتلاشى كسراب. ولئن كان البرقع هو ردّ جميل لحامي السماء، فالكمامة هي رد جميل لحماية الحياة في الأرض.

Read Previous

إطلاق منصة “دي فاكتو” المستقلة لمكافحة التضليل الإعلامي

Read Next

ماذا يحدث إذا تلقيت الجرعة الثالثة من اللقاح وأنت مصاب بكورونا؟

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.