بيتر سلكليت وتاريخ العراق المعاصر- ابراهيم خليل العلاف

ربطتني بالأستاذ الدكتور بيتر سلكليت   Peter Sluglett أكثر من وشيجة ، ومنها انني كنت اعمل في قسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة الموصل منذ سنة 1975  وكنت مقررا للقسم ، وانا اعرف ان هناك في جامعة اكسفورد باحثا انكليزيا يدرس عن تاريخ العراق المعاصر وان اطروحته هي عن (بريطانيا في العراق 1914-1932 )

Britain in Iraq, 1914-1932

وقد ناقشها ومنح شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث وسرعان ما عين في جامعة درم . وكان معي في القسم الاخ الدكتور مظفر عبد الله الامين ، وقد تمكنا من اقناع السيد رئيس القسم آنذاك ، وفي السنة 1977 الاستاذ الدكتور توفيق سلطان اليوزبكي ، لكي نستضيف الدكتور بيتر سلكليت لإلقاء محاضرات على طلبة قسم التاريخ فوافق ، وجاء الرجل والقى عدة محاضرات والتقيت به كما التقى به الاخ مظفر عبد الله امين ، وكان يحمل شهادة الماجستير كما كنت انا ايضا احمل هذه الشهادة ، واتفقنا بعد جلسة خاصة مع الدكتور بيتر سلكليت ان نكمل دراستنا في جامعة درم ، وبعد مناقشات مستفيضة اتفقت معه ان اكتب عن ( التيار القومي في الحركة الوطنية العراقية) . اما الاخ مظفر فاتفق على ان يدرس (التيار الدمقراطي في الحركة الوطنية العراقية ) ، وقام الدكتور بيتر سلكليت ، بمنحنا القبول ،  وهيأنا  انفسنا  للسفر وسافر قبلي الاخ مظفر ، وتعطلت انا اياما لأجد نفسي ، وقد اعلن التقشف في العراق ، ممنوعا من اكمال الدراسة خارج العراق . اما الاخ الدكتور مظفر فقد اكمل دراسة الدكتوراه وكان مشرفه الدكتور بيتر سلكليت ، وموضوع اطروحته للدكتوراه كان عن (جماعة الاهالي والحزب الوطني الدمقراطي ) .

على كلٍ ، علاقتي بالدكتور بيتر سلكليت لم تنقطع ، واكملت الدكتوراه في كلية الآداب – جامعة بغداد ، وكان مشرفي واستاذي هو الاستاذ الدكتور فاضل حسين ، وارسل لي الرجل مسودة اطروحته ، وقبل ان تطبع في دار اثيكا في لندن  واحتفظ بالمسودة حتى اليوم في مكتبتي الشخصية ، كما اعطاني بعض الوثائق عن التعليم في العراق ، وسافرت الى لندن لأبحث عن الوثائق في دائرة السجلات العامة في لندن ومكتبة الهند ومكتبة المتحف البريطاني وبقيت شهرا اجمع مادة لأطروحتي عن ( تطور السياسة التعليمية في العراق خلال عهدي الاحتلال والانتداب البريطاني 1914-1932 ) وقد نشرها لي مركز دراسات الخليج العربي وطبعت في مطبعة جامعة البصرة سنة 1982 بعنوان ( تطور التعليم الوطني في العراق) .

ما يهمني من هذا كله ، انني بقيت على صلة بالدكتور بيتر سلكليت ، وكنت اعرف انه عمل في جامعة درم منذ سنة 1974 حتى سنة 1994 ? وانه عمل في جامعة سنغافورة ، وانه من مواليد سنة 1943 كان يكتب بعض المقالات عن سياسة العراق المعاصرة الداخلية والخارجية في صحيفة (الغارديان)  البريطانية ،  وانا اعرفه واعرف توجهه اليساري وبقيت اتابعه حتى توفيت زوجته الاستاذة ماريون سكليت ، وكانت متزوجة  قبله من عراقي وبعد وفاة زوجها الاول تزوجها البروفيسور بيتر سلكليت وهو من ربى ولديها مروان وشعلان من زوجها السابق .وقد كتبت عنه اكثر من مرة ، كما كتبت عن بعض ما أصدر من كتب ، واتذكر انني كتبت عنه مرة فقلت :” أن الاستاذ الدكتور بيتر سلكليت مؤرخ بريطاني معروف ..متخصص بتاريخ العراق المعاصر ، سبق ان استضافه قسم التاريخ بكلية الآداب -جامعة الموصل سنة 1977 ? وكنتُ مقررا للقسم ، وكان قد انتهى لتوه من مناقشة اطروحته للدكتوراه في جامعة اكسفورد 1973 : ( بريطانيا في العراق 1914-1932 ) Britain in Iraq 1914-1932 ? وقد اعطاني نسخة منها ولما تزل مطبوعة على الالة الكاتبة وبعد سنوات نشرتها دار اثيكا في لندن في كتاب لدي نسخة منه كما اقترحت على الدكتور برهان خليل غزال الدبلوماسي العراقي السابق ان يترجمها ، فترجمها الى اللغة العربية ونشرت .

عمل بيتر سلكليت في مركز دراسات الشرق الاوسط بجامعة درم  the University of Durham بين سنتي 1974 الى سنة 1994 ثم عمل مديرا لمركز دراسات الشرق الاوسط في جامعة يوتا – مدينة سالت ليك بالولايات المتحدة الامريكية بين سنتي 1994 – 2011 .

له كتاب مهم بعنوان ( العراق منذ 1958 .. من الثورة الى الدكتاتورية ) .فضلا عن كتب ودراسات ومقالات اخرى .شاركته زوجته ماريون فاروق سلكليت Marion Farouk-Sluglett   في تأليف بعض كتبه ، وكانت متزوجة من عراقي يساري توفي وترك ولدين هما مروان وشعلان وقد علمت بأنها توفيت وحزن كثيرا عليها ” .

كتابه (بريطانيا في العراق 1914-1932)  كما قلت هو بالأصل اطروحته للدكتوراه في جامعة اكسفورد .الكتاب قسمان ، وفي كل قسم عدد من الفصول في القسم الاول وعنوانه :” العراق تحت الاحتلال والانتداب البريطانيين” ، وفيه فصولا تتحدث عن انتهاء الحرب العالمية الاولى ، ومؤتمر القاهرة ، والمعاهدة العراقية البريطانية ، والنفط والحدود ، والمشاكل الاقتصادية ، والدخول الى عصبة الامم 1932 . وفي القسم الثاني يقف المؤلف عند قضايا العشائر ، والاراضي ، والدفاع ، والسياسة الداخلية ، والسياسة التعليمية ، وتراث الانتداب ونتائجه، والجيش ، وقضايا الامن ، والادارة ، والمالية ، وهو بدون شك كتاب ممتع ، ورائع ، ووثائقي ومفيد للباحثين والمهتمين بتاريخ العراق المعاصر .

بحث مهم

من البحوث التي انجزها البروفيسور بيتر سلكليت وزوجته ماريون فاروق سلكليت واسترعت انتباهي وكتبت عنها ، البحث المهم الموسوم :    (بعض الملاحظات حول مسألة السنة والشيعة في العراق ) ، وهذا البحث نشر في (مجلة الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الاوسط British Journal of Middle Eastern Studies  التي تصدر في لندن الجزء 5 العدد 2 سنة 1978.. وترجمه (مركز دراسات الخليج العربي )  وصدر في كراس سنة 1980 بعنوان : (التفسير الطائفي للسكان في العراق ) ، وقدم للمسؤولين وصناع القرار السياسي في العراق  آنذاك وفي مكتبتي الشخصية نسخة من البحث.

والبحثُ مهم ٌ ، ويحتاج الى تدقيق ودراسة كما انه – حسب اعتقادي – جدير بالاطلاع .. وكنت قرأته في حينه ، وقبل أيام عثرتُ عليه في مكتبتي الشخصية .. وهو يدحض مقولات عدد من الكتاب منهم ( أوريل دان ) في كتابه :”العراق تحت حكم قاسم ” ، وعباس كليدار ، وحتى مجيد خدوري في ان (السنة ) هم من يحكمون العراق خلال الـ70 سنة ، وانه لم يكن (للشيعة ) اي دور في الحكومة والادارة قياسا الى النسبة الحقيقية لعددهم ، وانهم منذ سنة 1921 احتكروا السلطة السياسية ، ويرد الباحثان على ذلك ، ويشيران الى التكوينات الطبقية هي من كانت تلعب الدور ، وليس التكوينات الطائفية.

يقول المؤلفان ان الانتساب العشائري ، والقرابة تلعب دورها ، ولم يكن لأي من هاتين الحقيقتين أية علاقة مباشرة بالانتساب الطائفي …وكما كان متوقعا فإن الشيوعية – على سبيل المثال – إجتذبت الفقراء في بغداد ، والجنوب ، ووعدتهم بالمساواة ، والعدالة الاجتماعية .

كما أن مسألة عدد ( السنة والشيعة) ، كلها محض خرافة مضللة .. ولايوجد تخاصم طائفي ، أو مجابهة طائفية خلال السنوات 1921 وحتى كتابة البحث 1978 .. يقول الباحثان بالنص :” في العراق يمكن الاستناد الى (الطبقية ) وليس الى ( التكوينات الطائفية ) ؛ وبإستثناء الطبقة الحاكمة الحالية (1978 ) والهيئات الادارية العليا ؛ فإن الذي يملك والذي لايملك ينطبق على الطائفتين السنة والشيعة.

” ومنذ الحرب العالمية الثانية بإستثناء (الحزب الفاطمي )  الايراني الذي  كان يموله السافاك بالمال لم يكن هناك أي تجمع سياسي شيعي يذكر .. ولا يوجد أي أثر مهما كان نوعه يدل على ان كتلة الشيعة تقاوم أو تعارض النظام الحالي (1978 ) وتنتظر التحرر منه كشيعة .. رغم وجود الاحتمال بمعارضتهم له على اسس سياسية . ولا يوجد ايضا أي دليل بآن المناطق السنية لها الافضلية على المناطق الشيعية في مجالات التنمية والاستثمار .

ويبدو انه من المعقول الافتراض بأنه مع انتشار التعليم الثانوي والجامعي ووجود كل المغريات لكل الذين يريدون الدراسة ، وعلى أي مستوى فإن اختلال توازن الطائفتين في الادارة سيختفي من تلقاء نفسه وما يهم النظام اليوم هو غرس مبادئ البعث بين الشيعة والسنة ، ويحاول في هذا السبيل إبعاد الجماعات الدينية عن السلطة ، ومن الطائفتين على حد سواء “

مؤرخ معروف

هذا كلام الدكتور بيتر سلكليت .. وهو المؤرخ البريطاني المعروف والمتخصص بتاريخ العراق المعاصر والمعروف بتوجهه اليساري وبكراهيته للنظام السابق وكتاباته الكثيرة ضده هو وزوجته ماريون .. وقد قالا هذا الكلام في بحثهما سنة 1978   أي في فترة حكم الرئيس الاسبق احمد حسن البكر .. وقبل ان تنشب الحرب العراقية -الايرانية بسنتين تقريبا .. وقد وددت ان يطلع الباحثون والمهتمون وطلبة الدراسات العليا التاريخية عليه أي على هذا البحث ومساراته للاستفادة منه في بحوثهم ، ومن المؤكد انهم لم تتيسر لهم فرصة للاطلاع عليه من قبل.

في كتابه ( من الثورة الى الدكتاتوريـــــــة : العراق منذ1958  قدم البروفيسور بيتر سلكليت دراسة موضوعية عن اوضاع العراق منذ كان مؤلفا من ولايات ثلاث عثمانية قبل الحرب العظمى وحتى الاحتلال البريطاني 1914-1918 . كما وقف عند جذور المصالح البريطانية في العراق والخليج العربي ، واوضاع الاقليات ، ووضع العراق الملكي وبعد سقوطه في ثورة 14 تموز 1958  والصراع بين قادة الثورة والقوى السياسية والحزبية العراقية ، وحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وحكم المشير عبد السلام محمد عارف وحكومة عبد الرحمن البزاز ومقدمات انقلاب 1968 وتأميم النفط وحكم المهيب احمد حسن البكر وموضوع الجبهة الوطنية والتقدمية وركز على قضايا الاقتصاد والمجتمع والنفط والحرب العراقية – الايرانية وتأثيراتها وغزو الكويت 1990 والحصار وتأثيراته .

في السنوات الاخيرة 2014 أصدر مع الاستاذ Andrew Currie عملا مهما هو :  Atlas of Islamic History

البروفيسور بيتر سلكليت يعد متضلعا  في اوضاع العراق ، وكان كما عرفته دقيقا ، وعالما بكل تفاصيله .

——————-

كاتب ومؤرخ عراقي

Read Previous

الزواج والرق في الإسلام المبكر للبروفيسور كيشيا علي: قراءة فقهية نقدية من منظور نسوي

Read Next

ندوة نقدية تقرأ كتاب حارس الحكايات.. النقاد الأردنيون تكّرم فيصل درّاج

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.