شحم بدل الزيت وحشائش بدل اللحوم.. التونسيون يعودون إلى طعام الحرب العالمية

تونس – كريمة دغراش

يشتكي التونسيون من الشح في كثير من المواد الغذائية الأساسية، وحتى فقدانها من الأسواق، ما أدى الى ارتفاع أسعارها التي لم تبق في متناول الطبقة الفقيرة.

ولمواجهة هذه الأزمة لجأ الكثير منهم الى عادات جديدة للتأقلم مع الوضع الحالي، شبيهة بتلك التي لجأت إليها العائلات التونسية في أزمات سابقة مرت بها البلاد قبل عقود.

وتعرف الأسواق التونسية نقصاً في مواد أساسية مثل الزيت والبيض والسكر، وشهدت أسعار هذه المواد زيادة كبيرة، إذ بلغ سعر الزيت النباتي نحو دولارين ونصف الدولار لليتر الواحد بعدما فُقد الزيت المدعم الذي كان البسطاء يلجأون اليه لتحضير طعامهم من الأسواق.

ويعيد شح المواد الغذائية الأساسية الى أذهان التونسيين ذكريات أزمات مماثلة في القرن الماضي فصارت الأعوام تسمى باسمها مثل “عام الشرّ” و “عام الروز”.

وتروي سيّدة بالأشهب (80 سنة) لوكالة النهار العربي بعض الذكريات عن تلك الفترة قائلة: “كنا نجمع ما تجود به الأرض من نباتات لنعد الطعام لأبنائنا… لم يكن الغذاء متوافراً للجميع”. وبعد عقود من الزمن تعود هادية، كنّة سيّدة، الى الحقول بحثاً عن بعض النباتات أيضاً لإعداد الطعام لعائلتها. وتؤكد هادية (50 سنة) وهي عاملة في ضيعة زراعية لـ”النهار العربي” أن أسعار الخضروات غالية لذلك تستنجد بما تجود به الأرض لتعويضها، مشددة على أن لها منافع كثيرة.

وتشير دراسة للباحث عبد الكريم البراهمي حول مائدة الفقراء في بر “الهمامة” (نسبة إلى قبيلة الهمامة التي ترتكز في الوسط التونسي) خلال النصف الأول من القرن العشرين بعنوان “جدلية الخصب والجدب: مقاربة أنتروبولوجية” الى أن الحشائش على غرار الجرجير واليازول وغيرها تصنف ضمن الأغذية غير المطبوخة التي اعتمدت عليها الأوساط الريفية والقبائل التونسية في مرحلة ما.

وتؤكد الدراسة أن الأعشاب التي توفرها الطبيعة تمثل دعماً غذائياً أساسياً للفقراء في سنوات الخصب، وبخاصة في فصلي الشتاء والربيع، مضيفة أن تلك الفترة تميزت بهيمنة الاقتصاد الرعوي ما أدى إلى اتساع دائرة النيء في غذاء الفقراء وإلى أن تناول الأعشاب والخضروات الطازجة بصفة عامة عرف انتشاراً في البلدان العربية والمتوسطية في القرن 18.

حلول غير صحية

في حي سيدي حسين الشعبي في ضواحي العاصمة تونس أجبرت السيدة منية على شراء مادة الزبدة الرخيصة لتعويض الزيت النباتي: “منذ أيام دفع زوجي إجرة يومه لشراء قنينة زيت لذلك قررت أن استعمل مادة الزبدة للطبخ فهي أرخص ثمناً”.

أما جميلة فقد لجأت الى شراء الشحم من محل الجزارة لتعويض الزيت: “حين كنت طفلة كانت جدتي تحدثنا عن أيام الحرب وكيف أنها كانت تستعمل الشحم لإعداد الطعام… كنت استمع لها مندهشة ولكنني وجدت نفسي اليوم أعيش الوضعية ذاتها”، تؤكد لـ”النهار العربي”، مضيفة أن اللحوم صارت غائبة عن مائدتها بسبب غلائها.

وكتب الطبيب ذاكر لهيذب على صفحته في موقع “فايسبوك” تدوينة قال فيها: “آلمني جداً أن استمع الى سيدة تصرح للتلفزيون بأنها تستعمل الشحم للطبخ بسبب غلاء ثمن الزيت… أيها المسؤولون أنتم لا تعون حجم الكارثة الصحية التي قد تحدث إذا تغيرت العادات الغذائية للمواطنين بسبب الفقر وغياب المواد المدعمة”.

خيارات خاطئة

يقول رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك (غير حكومية) عمار ضيّة إن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تونس أثرت في الطبقات الفقيرة بدرجة أولى، مضيفاً في تصريح الى “النهار العربي” أن الأزمة التي تعيشها تونس اليوم شبيهة بالأزمة التي عاشها التونسيون أيام الحرب العالمية الثانية حين فقدت أغلب المواد الغذائية من الأسواق فأجبرت العائلات على البحث عن حلول بديلة للبقاء على قيد الحياة.

ويوافق على مقولة “الحاجة أمّ الاختراع” إذ تحاول العائلات الفقيرة التأقلم مع غلاء المعيشة بإيجاد مواد بديلة للمواد الأساسية المفقودة من الأسواق، لافتاً الى ان ما يحدث اليوم “شبيه بروايات الجدات عن أيام الحرب العالمية الثانية”.

ويرى أن “الوضع الحالي هو نتيجة طبيعية لخيارات اقتصادية وسياسية خاطئة طيلة العشرية الأخيرة كان ضحيتها المواطن الذي لم يكن ضمن حسابات السياسيين” على حد تعبيره.

وتؤكد البيانات الرسمية لوزارة الشؤون الاجتماعية في تونس أنّ نسبة الفقر تُقدر حالياً بـ15.2 في المئة.

ويقول الباحث في التاريخ عبدالستار عمامو إن الأجيال الجديدة لم تجرب الفاقة التي عاشتها الأجيال السابقة أيام الاستعمار. ويضيف في تصريح الى “النهار العربي” إنه حين تحسنت أوضاع البلاد بعد الاستقلال قطع التونسي من سلوك التقشف لأنه مرتبط في ذاكرته بأيام الحاجة، لكنه يشدد على أن الأزمة الاقتصادية الحالية جعلته يقطع مع عادات التبذير ليعود مجدداً للتقشف: “في تلك الفترة لم تكن النساء تلقي بفواضل الطعام، كان كل شيء يعاد تدويره لإعداد أطباق أخرى في اليوم التالي وهذا ما أصبحت ربة البيت تفعله اليوم”.

Read Previous

عمر أسعد (80 عاماً).. مسن فلسطيني سحلته وضربته قوة إسرائيلية فاستشهد

Read Next

السعودية: “حزب الله” يستعلي على لبنان وخياراته السياسية فشلت

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *