عن الديموقراطية العراقية وانتصاراتها الصعبة – عقيل عباس

كان يوم الأحد الفائت، التاسع من كانون الثاني (يناير)، موعد انعقاد الجلسة البرلمانية الأولى بعد الانتخابات العراقية وما تمخضت عنه، ثاني أهم يوم في قصة الديموقراطية الهشة في العراق من ناحية السلوك السياسي، منذ بدايتها المتعثرة والصعبة بعد 2003.

رغم الفوضى التي طبعت الجلسة في بدايتها والتحديات الإجرائية التي شابتها، فإنها اتجهت سريعاً بعدها نحو تحقيق خطوة مهمة على الطريق الطويل والصعب بصناعة ديموقراطية حقيقية: تحوّل الفوز الانتخابي فوزاً برلمانياً ينبغي بدوره أن يتحول فوزاً سياسياً، أي أن يُعطى الطرف الفائز انتخابياً الفرصة الأولى لتشكيل الحكومة. في السياق العراقي الحالي، يعني هذا تشكيل حكومة أغلبية سياسية يديرها تحالف حزبي واحد يتحمل المسؤولية عن قراراتها نجاحاً وفشلاً، فيما تنتقل الأحزاب والتيارات الخاسرة الى المعارضة.

هذان التوازن والتنافس طبيعيان وبديهيان في الديموقراطيات البرلمانية في العالم، ويعتبران ضروريين لنجاحها. لكن ما هو طبيعي وبديهي لم يحدث في العراق لأسباب تتعلق بالتعسف السياسي وتسييس القضاء، وتولي كتل سياسية طائفية – عرقية كتابة الدستور. ومن هنا كانت خدعة الكتلة الأكبر التي تتشكل بعد الانتخابات، في التفاف واضح وغير ديموقراطي على معنى الفوز الانتخابي، أحد اختراعات “الديموقراطية العراقية” التي شوّهت عميقاً معنى السياسة والانتخاب والتنافس في البلد.

لو احتُرم الفوز الانتخابي باعتباره معياراً وحيداً للفوز البرلماني، وبالتالي لتشكيل الحكومة في انتخابات 2010، ولم تظهر الخدعة القانونية المسماة “الكتلة الأكبر” للالتفاف على الفوز حينها، وتكريس أولوية الصفقات الحزبية الأنانية على إرادة الناخبين الحرة، لكانت قصة العراق الديموقراطية، على الأكثر، سلكت درباً آخر غير درب الدم والطائفية والفساد والندم المتأخر.

جلسة الأحد لم تُنه إلى الأبد اختراع “الكتلة الأكبر” الذي يحتاج الى تعديل دستوري، لكنها، مع فكرة حكومة الأغلبية، ستساهم في ترسيخ أعراف ديموقراطية في العمل السياسي والبرلماني، خصوصاً إذا تواصل استثمار الجمهور في السياسة وبروز الرأي العام كقوة فاعلة في الحيز العام. جاء الاثنان، استثمار الجمهور وبروز الرأي العام، كإحدى نتائج حركة الاحتجاج التشرينية التي لا تزال تفاعلاتها الفكرية والسياسية تتواصل، وإن كانت، كحركة، بحاجة الى المزيد من التنظيم كي تتحول تياراً ليبرالياً، سياسياً وفكرياً، واسعاً ومتنوعاً وواضح المعالم.

الديموقراطية تراكم بطيء وطويل، وصعب غالباً، خصوصاً في المجتمعات التي عاشت تجارب شمولية وديكتاتورية طويلة الأمد، تمحورت حول زعامات “استثنائية” أو نخب وأحزاب “قائدة”، تمتلك الحقيقة والقوة اللازمة لفرضها على المجتمع. عملياً، هذه كانت تجربة العراقيين مع السياسة على مدى السبعين عاماً الماضية تقريباً (منذ منتصف الخمسينات تحديداً). يعتمد النجاح في التحول الديموقراطي، في مثل هذه السياقات، على تفكيك البنى الاستبدادية في التفكير والسلوك على نحو مصاحب لتشكيل المؤسسات الديموقراطية والأعراف والممارسات المرتبطة بها.

لذلك كان اليوم الأول الأهم في قصة الديموقراطية العراقية مرتبطاً بمنع انزلاقها، على علاتها الكثيرة، نحو الاستبداد السياسي الذي يستعيد، روحاً وليس شكلاً، تجربة السبعين عاماً الماضية. كان ذلك اليوم هو 14 آب (أغسطس) 2014، عندما وجد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي نفسه، مضطراً، بعد ضغوط سياسية ودينية وشعبية هائلة، للتخلي عن سعيه التسلطي لتولي رئاسة الوزراء للمرة الثالثة، ودعم خليفته حيدر العبادي، في تشكيل الحكومة المقبلة. منع هذا التخلي القسري عن طموح “الولاية الثالثة” أن تلتهم ما تبقى من الديموقراطية العراقية الناشئة حينها الأنيابُ الحادةُ  لديكتاتورية جديدة صاعدة بقوة، بعدما نجح المالكي في تجيير المؤسسات لمصلحة مطامحه السياسية وتخويف الخصوم ومطاردتهم، وتوظيف موارد الدولة الضخمة لتشكيل هيمنته الانتخابية والسياسية والاقتصادية وإدامتها.

مثّل النجاح الاستبدادي للمالكي اللحظة الأشد خطراً على مشروع الديموقراطية العراقية والأكثر تكلفةً لتفكيكه: احتلال “داعش” ثلث البلد وانهيار معظم الجيش وخزينة خاوية وصراع طائفي حاد. استهلكت أخطاء المالكي وخطاياه كل سنوات حكومة العبادي الأربع لتصحيح بعضها وتخفيف أثر البعض الآخر، لكن لم يخرج البلد لحد الآن تماماً من آلامها وتبعاتها.

بعد فشل المالكي في احتكار منصب رئيس الوزراء في 2014، وعجزه عن تشكيل تقليد استبدادي بهذا الخصوص باسم ديموقراطية شكلية، لم يحاول أي رئيس وزراء تال التمسك بالمنصب بالضد من الآليات السياسية والمؤسساتية أو حتى الشعبية الفاعلة، التي كانت تدعو الى رحيله. هكذا غادر العبادي رئاسة الوزراء بسهولة، ثم حذا حذوه عادل عبد المهدي، وإن كانت ظروف مغادرة الاثنين مختلفة.

الدرس الأهم حينها هو عجز أي رئيس وزراء عن الاستقواء بجهاز الدولة الضخم للاحتفاظ بالمنصب التنفيذي الأعلى في البلد عبر تجاوز معادلات السياسة وقرار المؤسسات. سينطبق الأمر نفسه على رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إذا ذهبت المعادلات وتمثلاتها المؤسساتية إلى عدم التجديد له. يعني كل هذا ترسيخ تقليد التداول السلمي للسلطة.

لكن ضمان استمرار تداول السلطة سلمياً يحل جزءاً من مشكلة الديموقراطية في البلد. الجزء الآخر، وربما الأهم، هو محتوى هذه السلطة. فالديموقراطية، بمعناها الأوسع، ليست فقط آليات انتخابية وتداولية، بل هي أيضاً تمثل أمين للمصلحة العامة، بمعنى أنها، كممارسة للسلطة، تهدف إلى خدمة المصلحة العامة التي تتمثل عبرها مطامح الجمهور ورغباته المشروعة بالأمن والخدمات والفرص الاقتصادية، واحترام كرامته الإنسانية عبر مؤسسات دولة تعمل بجدية لتلبية هذه المطامح والرغبات. لحد الآن، فشلت دولة ما بعد 2003 وحكوماتها “الديموقراطية” في هذا الجانب فشلاً ذريعاً ومخجلاً. يكمن أحد الأسباب الأساسية لهذا الفشل في غياب المساءلة، فلا طرف سياسياً يتحمل الفشل، لأن كل الحكومات التي تشكلت كانت توافقية، تضيع المسؤولية فيها بين أحزاب كثيرة تتشارك في القرار والمغانم، وتهرب من تحمّل عواقب فشل القرار عبر اتهام الآخرين به. على هذا النحو تحوّلت السياسة في العراق لغزاً كبيراً ومفتوحاً: الكل يدرك عمق الفشل وتجذّر الفساد، لكن لا أحد يستطيع تتبعه ومحاسبة المسؤولين.

ستفتح نتائج الجلسة البرلمانية يوم الأحد الفائت، إذا انتهت بتشكيل حكومة أغلبية سياسية كما هو متوقع الآن، البابَ على تجربة سياسية مختلفة يمكن عبرها تحديد المسؤولين عن الفشل ومعاقبتهم انتخابياً، وعن النجاح ومكافأتهم انتخابياً أيضاً. سيكون مثل هذا التطور خطوة كبيرة إلى الأمام في قصة العراق الشاقة مع الديموقراطية.

Read Previous

مزيج من الارتباك الإيراني والتخلّف العراقي – خيرالله خيرالله

Read Next

ماذا يعني ارتفاع أسعار الطاقة؟ – بيورن لومبورغ

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *