ماذا يعني ارتفاع أسعار الطاقة؟ – بيورن لومبورغ

المقاربة الوحيدة المجدية سياسيا لمحاربة التغير المناخي هي التركيز على تعزيز وترقية البحث والتطوير للتوصل إلى ابتكارات تخفض أسعار الطاقة النظيفة، وعلى الحكومات الاستثمار في كل الخيارات بما في ذلك الاندماج النووي والانشطار النووي وطاقة الشمس والرياح

أسعار الطاقة في صعود. والراجح أن هذا مؤشر لما سيأتي. يمكن أن نعزو هذا الارتفاع إلى أشياء عديدة من بينها تعافي الطلب بعد انتهاء الإغلاقات وهبوط توليد الطاقة الكهربائية لانعدام الرياح في أوروبا خلال معظم العام الماضي وسياسات حماية المناخ التي تتزايد تكلفتها.

ستنتهي الجائحة والرياح ستهب مرة أخرى، لكن سياسات المناخ الهادفة إلى تحقيق انبعاثات «صافي صفر كربون» ستستمر في رفع الأسعار. «سياسة صافي صفر كربون أو الانبعاثات الصفرية لغازات الاحتباس الحراري تعني معادلة حجم الكربون الذي يطلق في الهواء بحجم الكربون الذي يُسحَب منه- المترجم».

في عام 2008، أقرَّ باراك أوباما بأن أسعار الكهرباء «بالضرورة سترتفع إلى عنان السماء» في ظل سياساته المناخية المقترحة. لقد كان أكثر صراحة من ساسة اليوم ودعاة صفر كربون. فتقييد استخدام موارد الوقود الأحفوري يستدعي جعلها أكثر كلفة ودفع الناس نحو البدائل الخضراء التي ستظل أغلى ثمنا وأقل كفاءة.

في بريطانيا تضاعفت أسعار الكهرباء منذ عام 2003 بعد أن هبطت بمعدل خمسة أضعاف خلال القرن العشرين. وأضافت سياسة المناخ البريطانية أكثر من 10 بلايين جنيه استرليني إلى الفاتورة الوطنية للكهرباء بحلول عام 2020. بل حتى قبل الارتفاعات التي شهدتها أسعار الطاقة في العام الماضي لم يكن بمقدور ما بين 50 مليونا إلى 80 مليونا من قاطني الاتحاد الأوروبي تدفئة بيوتهم بقدر كاف. وفي الغالب سيسوء ذلك أكثر حيث من المتوقع أن تزيد فواتير الطاقة الأوروبية هذا العام بحوالي 400 بليون دولار تقريبا. وفي الولايات المتحدة ارتفعت أسعار البنزين إلى أعلى مستوى لها خلال 7 أعوام في أكتوبر فيما يُتوقَّع أن تكون التدفئة بالغاز أغلى بحوالي 30% هذا الشتاء مقارنة بتكلفتها في الشتاء السابق.

ستستمر التكاليف في الارتفاع إذا ظل الساسة على إصرارهم بتحقيق هدف صافي صفر انبعاثات عالميا.

وجد بنك أمريكا (بانك أوف أمريكا) أن تحقيق هذا الهدف على الصعيد العالمي بحلول عام 2050 سيكلف 150 تريليون دولار خلال 30 عاما. وهذا الرقم يقارب ضعف مجموع النواتج المحلية الإجمالية لكل بلدان العالم. أما التكلفة السنوية التي تصل إلى 5 تريليونات دولار فتزيد عن إجمالي ما تنفقه كل حكومات وعائلات العالم في كل عام على التعليم.

بل تجد الدراسات الأكاديمية هذه السياسة أكثر كلفة من ذلك. فأكبر قاعدة بيانات عن سيناريوهات المناخ توضح أن الإبقاء على ارتفاع درجة الحرارة عند درجتين مئويتين (وهذه سياسة أقل صرامة من سياسة بلوغ صافي صفر في منتصف القرن) ستكلف في الغالب 8.3 تريليون دولار أو 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في كل عام بحلول عام 2050. وستستمر التكلفة في الارتفاع، حيث يجب على دافعي الضرائب بنهاية القرن سداد حوالي كوادريليون (ألف تريليون) دولار.

هذه التقديرات ترتكز على افتراض نظري ومستبعَد وهو أن تكاليف سياسة المناخ سيتم توزيعها بكفاءة بحيث تكون البلدان الأكثر تلويثا للهواء مثل الصين والهند هي الأكثر خفضا لانبعاثات الكربون. لكن نيودلهي تقول إنها ستواصل التحرك في مسار صافي صفر كربون إذا دفع لها باقي العالم تريليون دولار بحلول عام 2030، وهو ما لن يحدث.

تُبدي البلدان النامية الأخرى هذا التردد المفهوم نفسه. ويعني ذلك أن تحقيق انبعاثات صافي صفر كربون في عام 2050 سيكون مستحيلا. والراجح أن التخفيضات المفروضة ستحدث في البلدان الغنية وتقلص بقدر طفيف انبعاثات الكربون العالمية بتكلفة عالية.

على الرغم من تبني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة وبلدان أخرى أهداف سياسة (صافي صفر كربون) إلا أن قلة منها وضعت تقديرات دقيقة للتكلفة. ويظهر التقدير المستقل والرسمي لنيوزيلندا أن تحقيق صفر كربون في منتصف القرن الحالي سيكلف 16% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2050. هذه التكلفة تزيد على كامل مخصصات موازنتها الحالية للضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية والصحة والتعليم والشرطة والمحاكم والدفاع والبيئة .

بالنسبة للولايات المتحدة وجدت دراسة حديثة في مجلة «نيتشا» أن خفض الانبعاثات بنسبة 80% فقط في عام 2080 سيكلف أكثر من2.1 تريليون دولار بالقيمة الحالية سنويا في منتصف القرن. وهذا يعني أكثر من 5 آلاف دولار لكل أمريكي في العام. وستكون تكلفة تحقيق خفض بنسبة 100% أكبر كثيرا من ذلك. وتفترض هذه الدراسة أن التخفيضات ستتم بأكفأ طريقة ممكنة وتحديدا باستخدام ضريبة كربون وطنية وحيدة ومتزايدة باطراد، لكن ذلك مستبعد. وحتى بتطبيق سياسات أقل من مثالية سيظل السعر أعلى.

قد لا يرغب ناشطو حماية المناخ في الإقرار بهذه التكاليف، لكن الناخبين سيجبرونهم على ذلك في النهاية. وإذا قسمنا تقديرات بنك أمريكا الخاصة بالتكلفة السنوية لهدف (صافي صفر كربون) عالميا ستكون أكثر من 600 دولار للشخص الواحد ويشمل ذلك أكثر سكان العالم فقرا في الهند وأفريقيا.

لكن حتى في بلد غني مثل الولايات المتحدة معظم الناخبين ليسوا على استعداد لمنح الحكومة أكثر من 100 دولار في العام لتمويل مكافحة التغير المناخي. ومائتا دولار هي الحد الأقصى لأغلبية الناخبين في العديد من البلدان الأخرى مثل الصين وبريطانيا. وقد شهدت فرنسا سلفا احتجاجات مستمرة ضد رفع أسعار البنزين بحوالي 12 سنتا فقط للجالون. ولنا أن نتخيل رد الفعل على سياسات تفرض (صافي صفر كربون).

المقاربة الوحيدة المجدية سياسيا لمحاربة التغير المناخي هي التركيز على تعزيز وترقية البحث والتطوير للتوصل إلى ابتكارات تخفض أسعار الطاقة النظيفة. على الحكومات الاستثمار في كل الخيارات بما في ذلك الاندماج النووي والانشطار النووي وطاقة الشمس والرياح وتحسين البطاريات والتوصل إلى وقود حيوي أفضل.

فقط عندما تكون الطاقة الخضراء أرخص من الوقود الأحفوري أو على الأقل قريبا من ذلك، سيقبل الناخبون بالانتقال إليها.

———————————————————————

رئيس مركز إجماع كوبنهاجن وزميل زائر بمعهد هوفر- جامعة ستانفورد.

 آخر مؤلفاته «إنذار كاذب»: «كيف يكلفنا الرعب من التغير المناخي تريليونات الدولارات ويؤذي الفقراء ويفشل في إصلاح الكوكب.»

Read Previous

عن الديموقراطية العراقية وانتصاراتها الصعبة – عقيل عباس

Read Next

غارقون في الجائحة – باري إيتشنغرين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.