لماذا تقلق الصّين من اضطرابات كازاخستان؟

كتب: جورج عيسى

لم تكن تطوّرات مطلع سنة 2022 في كازاخستان بعيدة من دائرة المراقبة في بكين. تصادف هذه السنة الذكرى الثلاثين لتأسيس العلاقات بين البلدين. لكنّ الاهتمام لا يرتبط بالمفارقات الرقميّة. للمرّة الثانية خلال أشهر قليلة، تواجه الصين اضطرابات بالقرب من حدودها الغربيّة: الأولى كانت في آب (أغسطس) 2021 مع الانسحاب الأميركيّ الفوضويّ من أفغانستان، والثانية في الأسبوع الأوّل من كانون الثاني (يناير) الحالي مع الاضطرابات السريعة التي كان من المحتمل أن تهدّد حكم الرئيس الكازاخيّ قاسم-جومارت توكاييف.

التطرّف

تتشارك الدولتان حدوداً طولها قرابة 1783 كيلومتراً. وتحدّ كازاخستان إقليم شينجيانغ الذي يقلق الصين بسبب ما تراه مصدراً محتملاً للتطرّف والانفصال. ويتّهم الغرب بكين بإقامة معسكرات اعتقال وبارتكاب “إبادة جماعية” للأويغور في ذلك الإقليم، أمر تنفيه الأخيرة بشدّة وتصفه بأنّه “هجمات افترائية”.

بحسب الكاتب تشاو دينغ في صحيفة “وول ستريت جورنال”، تخشى الصين من انفلاش الشعور التمرّديّ في كازاخستان ليصل إلى شينغيانغ. بالفعل، تساءل مدير مركز دراسات منظمة شنغهاي للتعاون في أكاديمية شنغهاي للعلوم الاجتماعية بان غوانغ عمّا إذا كانت “حركة شرق تركستان الإسلامية” ستتشجّع أكثر بفعل أعمال الشغب في كازاخستان. وكتب في موقع “غوانشا” الصينيّ أنّ الوضع هناك غير قابل للتنبّؤ.

صلة وصل

يذكّر دينغ وآخرون بأنّ الرئيس الصينيّ شي جينبينغ اختار العاصمة الكازاخية (أستانا آنذاك) ليطلق منها “مبادرة الحزام والطريق” سنة 2013. لقد كانت كازاخستان أكثر دولة استقراراً في آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. إنّ غياب هذا الانطباع بفعل الحوادث الأخيرة يقلق القوّتين الروسية والصينية. وإذا كان الأمن ومنع واشنطن من دخول هذه المنطقة هما الهاجس الأكبر في موسكو، فإنّ لدى بيجينغ هاجساً مساوياً من حيث الأهميّة وهو الاقتصاد. فكازاخستان كحلقة ربط أساسية في “مبادرة الحزام والطريق” توفّر استثمارات كثيرة للصين، كما أنّها بوابة أساسية نحو أوروبا. من بين المشاريع الصينية في تلك البلاد خطوط سكك حديدية ومشاريع للطاقة المتجدّدة.

مخاوف كازاخيّة

مثل الكاتب تشاو دينغ، أشار محلل شؤون منطقة ما بعد الاتحاد السوفياتي ويلدر أليخاندرو سانشيز إلى أنّ لكازاخستان اعتراضاتها على طريقة تعامل الصين مع مواطنيها من أصول إثنيّة كازاخيّة والتي تشبه طريقة تعاملها مع أقليّة الأويغور. كما تعترض أيضاً على شراء الصينيين أراضيَ كازاخية. لكنّ نور سلطان تفضّل الحوار مع بكين لحل الخلافات، خصوصاً أن لديها مخاوف أخرى بشأن المياه. ويوضح أليخاندو سانشيز في مؤسسة “ناشونال إنترست” أنّ بحيرة بلخاش التي تعدّ ثاني أكبر كتلة مائية في البلاد تتغذّى من نهرين ينبعان من الصين. والمخاوف ناجمة عن احتمال أن تحدّ بكين من تدفق مياه أحد النهرين مع بناء السدود، كما عن تداعيات التغيّر المناخي. مع ذلك، يعتقد الكاتب أن للدولتين تاريخاً من التفاهم يمنع حدوث أزمة بينهما.

علاوة على ذلك، إنّ خلفيّة توكاييف الثقافية والمهنية تسهّل الحفاظ على علاقات مستقرة بين البلدين، إن لم يكن تطويرها أيضاً. فالرئيس الكازاخي الحالي يملك اطّلاعاً جيّداً على الثقافة الصينية، فهو درس وعمل في الصين طوال سنوات ويتقن اللغة الصينية بطلاقة وفقاً لما ذكره أحد مستشاريه. على الرغم من ذلك، لا يحافظ جميع المراقبين على المستوى نفسه من التفاؤل تجاه العلاقات الثنائيّة.

2021… سنة المطبّات

سرد الأكاديميّ البارز في “كلية راجاراتنام للدراسات الدولية” في سنغافورة رافاييلو بانتوتشي أمثلة من السنة الماضية، تبين أن العلاقات ليست وردية كما تبدو عليه ظاهرياً. فبين كانون الثاني (يناير) وأيلول (سبتمبر) 2021، انخفضت صادرات الغذاء إلى الصين بنسبة 78%. وفي آذار (مارس)، تم إيقاف عربات وشاحنات على الحدود مع الصين ضمن إجراءات وقائية لمواجهة “كوفيد-19″، ما قلّص صادرات المنتجات الكازاخيّة إلى الصين، علماً أنّ حركة الترانزيت عبر كازاخستان من الصين وإليها لم تشهد تأخيرات كهذه. وذكر بانتوتشي أن الصين سعّرت إحدى سرديّات روسيا عن نشوء الفيروس في معمل كازاخي مدعوم من واشنطن، وأن سلسلة مقالات برزت في الإعلام الصيني تقترح أنّ كازاخستان جزء تاريخي من الصين.

مصالح مشتركة

بالرغم من مطبّات 2021، يبقى تدهور العلاقات الثنائية مستبعداً، إن لم يكن مستحيلاً في المدى المنظور بسبب الروابط الجغرافيّة والتجارية بين البلدين: فالصين هي ثاني أكبر شريك تجاري لكازاخستان وأوّل وجهة لصادراتها. وبين 2005 و2020، استثمرت بكين قرابة 20 مليار دولار في كازاخستان التي تحتضن جزءاً من خط أنابيب الغاز بين الصين وآسيا الوسطى. واستوردت الصين 4 ملايين طن من الغاز الطبيعي الكازاخي في 2021. كذلك، تعد كازاخستان مورّداً أساسياً لليورانيوم – الوقود الحيويّ للمعامل التي تتغذّى على الطاقة النووية – إلى الصين.

لقد وقّعت “مجموعة الصين العامة للطاقة النووية” اتفاقاً السنة الماضية مع شركة “كازاتومبروم” الكازاخية، وهي أكبر مورّد لليورانيوم في العالم، من أجل بناء “منشأة أولبا للطاقة النووية” مع إعطاء الشركة الصينيّة حصّة بنسبة 49% من المشروع. وتأتي هذه الخطوة في إطار تخلّي الصين عن الوقود الأحفوريّ على طريق التحوّل إلى الطاقة المتجددة.

عودة غير مقصودة للحيويّة؟

كتب بانتوتشي، الأكاديميّ من “كلية راجاراتنام” السنغافورية، أنّ كازاخستان تلمّست السنة الماضية “مخاطر” الاعتماد المفرط على الصين وكيف يمكن تغييرات فجائيّة في تلك البلاد أن تنتج تداعيات مزعزعة للاستقرار، بالتوازي مع تقويض سردية فوز جميع الأطراف والتي تترافق مع الحديث عن مبادرة الحزام والطريق. لكنّ الاضطرابات الأخيرة يمكن أن تنهي التوتّرات المفترضة بين البلدين بسبب خشية الصين من خروج الوضع عن السيطرة لدى جارتها في المستقبل.

بعد الحوادث الكازاخيّة الأخيرة، قال عدد من الخبراء لصحيفة “غلوبال تايمز” الصينية إنّ بكين مستعدّة لتقديم عروض كثيرة إلى كازاخستان، من بينها ما يتعلّق بالمساعدات والدعمين الاقتصاديّ والإصلاحيّ وحتى مكافحة الإرهاب. فهل تعيد أعمال الشغب الكازاخيّة، وعن غير قصد، الروح لسرديّة الفوز المتبادل التي تحملها المبادرة؟

Read Previous

رئيس حكومة لبنان ينفي وجود صفقة مقابل إنهاء الثنائي الشيعي مقاطعته للحكومة

Read Next

العيسوي ينقل تعازي الملك عبد الله الثاني إلى الشلبي والقرالة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.