رسائل إيرانية إلى إقليم كردستان العراق

كتب: رستم محمود

بعد أسبوع كامل من التوتر السياسي بين القوى السياسية الكردية العراقية، ونظيرتها العراقية المقربة من إيران، وصل زعيم تحالف “الفتح” هادي العامري الى مدينة أربيل صباح اليوم الأثنين، في ما اعتبره مراقبون محاولة لجس نبض محصلة الضغوط التي مارستها القوى الشيعية العراقية المقربة من إيران على نظيرتها الكردية، ومحاولة لفهم التوجه السياسي الاستراتيجي للأكراد في اللعبة الداخلية.

وطوال الأسبوع الذي سبق هذه الزيارة، كان “الحزب الديموقراطي الكردستاني” قد متّن تحالفه مع “التيار الصدري” وحزب “تقدم”، المُعتبر راهناً التحالف السياسي المناهض للنفوذ الإيراني في العراق، تعرض مقر الحزب في العاصمة بغداد لهجوم بقنبلة يدوية. الأمر عُد أولى الرسائل الواضحة والمباشرة من إيران والقوى العراقية المُقربة منها إلى إقليم كردستان، وتحذيره من “مغبة” الاستمرار في مساعي “التيار الصدري” لتكوين حكومة أغلبية سياسية في العراق ستهمش مختلف التيارات السياسية العراقية المقربة من إيران.

بعد حادثة المقر بساعات قليلة، أفاد مصدر أمني عراقي عن تعرض القيادي في “الحزب الديموقراطي الكردستاني” مهدي الفيلي لمحاولة اغتيال في العاصمة بغداد. الفيلي الذي يشغل منصب المتحدث باسم الحزب تعرض موكبه لهجوم بأسلحة رشاشة شرق العاصمة، ولم يسفر عن أي إصابات.

ما صار يُعتبر “رسائل إيران” إلى القوى السياسية العراقية المتكتلة ضد نفوذها، كان بدأ يتعاقب منذ تصديق المحكمة الاتحادية العراقية على نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة في أوائل الشهر الجاري، وظهور إمكان تشكل تحالف سياسي عابر للقوميات والطوائف، مؤلف من القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، لكنه أساساً مضاد للنفوذ الإيراني.

فقبل الجلسة الافتتاحية للبرلمان الجديد بيومين فحسب، تعرض مقر لقوات البيشمركة الكردية في منطقة “بردى”، بالقرب من بلدة “ألتون كوبري”، لهجوم بصواريخ الكاتيوشا، وهو الأول من نوعه منذ شهور، بعد تعرض مطار أربيل الدولي لهجوم بطائرات مسيرة في أواسط العام الماضي.

الصواريخ التي استهدفت مقر القوات الكردية انطلقت من مناطق تسيطر عليها فصائل “الحشد الشعبي” المُقربة من إيران، جنوب شرقي بلدة “ألتون كوبري” في المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان العراق. بعد الحادث بيوم واحد فحسب، أصيب مقاتل من قوات البيشمركة برصاصة مجهولة في محافظة كركوك.

وكان نواب “الحزب الديموقراطي الكردستاني”، وبعض الأعضاء الأكراد الآخرين شاركوا في جلسة انتخاب محمد الحلبوسي رئيساً للبرلمان العراقي الجديد، على الضد من دعوات القوى السياسية المقربة من إيران. وبعد الجلسة بثلاثة أيام فحسب، رشح الحزب القيادي في صفوفه ووزير خارجية العراق الأسبق هوشيار زيباري لمنصب رئيس الجمهورية، وهو أيضاً ما اعتبر خطوة لإنهاء حالة التوافق مع القوى الشيعيّة العراقية المقربة من إيران، والتي كانت تسعى للحفاظ على الرئيس الحالي برهم صالح في موقعه.

الباحث والكاتب شفان رسول شرح في حديث الى وكالة النهار العربي كيف أن الاستراتيجية الإيرانية راهناً تقوم على خلق المزيد من الضغوط على القوى السياسية غير الشيعيّة، لتعكير أي إمكان لتحالفها مع “التيار الصدري”، وتالياً خلق عتبة وطنية مناهضة لها “تعرف إيران جيداً حجم المخاطرة في مواجهة التيار الصدري بشكل مباشر، المسلح بدوره والعامل في المجال الجغرافي والسكاني/الطائفي نفسه الذي يعمل فيه حلفاء إيران، وتالياً فإنها ترى في التهويل على حلفاء الصدر المفترضين محاولة لإضعاف الصدر نفسه. وإقليم كردستان ضمن هذا المنظور هو القوة الأولى الممكن استهدافها، لأنها على العكس من القوى السياسية السُنيّة، تملك كياناً ومؤسسات ومناطق سيطرة، ويُمكن الضغط عليها بشكل مباشر”.

سياسياً، صارت قيادات من قوى “حزب الدعوة” العراقي و”ائتلاف دولة القانون” و”عصائب أهل الحق” و”تحالف الفتح” تتهم الأطراف الكردية بالتسبب بحدوث شقاق بين القوى السياسية الشيعيّة في العراق، فيما حذر أبو علي العسكري، القيادي في “الحشد الشعبي” العراقي والمتحدث باسم “كتائب حزب الله”، المقرب من إيران إقليم كردستان من عواقب التوجهات السياسية التي يتخذها راهناً، معتبراً أن “العراق يمكن أن يشهد أياماً صعبة وسيخسر الجميع”.

تلك التحذيرات السياسية أضيفت الى اتهامات ساقها السياسي العراقي المقرب من إيران، ووزير الداخلية العراقي الأسبق جبر الزبيدي، الذي اتهم إقليم كردستان بالتستر على نصب الولايات المتحدة صواريخ استراتيجية في منطقة جبلية من الإقليم. كما أن القيادي في كتائب “سيد الشهداء” المرتبطة بإيران عباس الزيدي أكد تلك الاتهامات، متسائلاً: “هل تحولت أربيل قاعدة للاحتلال الأميركي؟”.

الباحثة في “مركز الفرات للدراسات” سلمى بلباسي شرحت كيف أن إيران كانت تعتمد على التوازن السياسي الداخلي في إقليم كردستان، وكيف أن تحطم ذلك التوازن أثر في التزام الإقليم فروض إيران السياسية عليه. وتقول: “كان التوازن بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم، الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني المقرب من إيران، يُجبر القرار الاستراتيجي في الإقليم لأن يكون متوازناً على الدوام بين إيران وتركيا. لكن منذ تراجع القوة البرلمانية والسياسية للاتحاد الوطني الكردستاني مقارنة بالحزب الديموقراطي الكردستاني، تراجعت مستويات تأثير إيران في الإقليم سياسياً واقتصادياً، وصارت إيران من طريق أدواتها العسكرية والميليشيوية توجه رسائل إلى إقليم كردستان”.

Read Previous

السنة الرئاسية الأولى لبايدن بالأرقام

Read Next

ليبيا: 24 يناير يدخل أجندة المواعيد الانتخابية الضائعة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.