حيث لا يبقى أثر سوى لموقد النار.. مصر تحفّز السياحة البيئية

القاهرة – ياسر خليل

تضم مصر 44 محمية طبيعية فريدة من نوعها، بعضها معتمد بالفعل، والبعض الآخر تضعه الدولة في خططها المستقبلية. وقد حظيت تلك المحميات في السنوات الأخيرة بقدر ملحوظ من الاهتمام كوجهة سياحية للمصريين والأجانب.

ومع هذا الاهتمام غير المسبوق، تضاعف عدد زوار المحميات 5 مرات خلال الفترة من 2018-2021، وحققت إيرادات تقدر بنحو 30 مليون جنيه مصري (ما يعادل 1.9 مليون دولار أميركي تقريباً).

وعلى رغم ضآلة هذا المبلغ الذي يمثل نحو 0.06 في المئة من إجمالي الدخل السياحي للسنة المالية 2020-2021 والذي بلغ 4.9 مليارات جنيه، إلا أنه يشكل زيادة تقدر بنحو 3 أضعاف الفترات المماثلة السابقة.

خريطة وزارة البيئة المصرية للمحميات الطبيعية الحالية والمستقبلية

 

 ويرى متخصصون في مجال السياحة البيئية، أن مصر لديها وجهات عدة رائعة، بخلاف المحميات الطبيعية، تصلح كمقاصد لهذا النوع الواعد من السياحة.

وتشير الإحصاءات إلى أن السياحة البيئية حصدت على المستوى الدولي قرابة 181 مليار دولار في العام 2019، وكذلك قبل تفشي فيروس كورونا وتحوله إلى جائحة عالمية، وكان متوقعاً للسياحة البيئية أن تحقق قرابة 333 مليار دولار في العام 2027 وفق موقع ” Statista” المتخصص في الإحصاءات.

“إيكولودج هيرموبليس” في محافظة المنيا

تنسيق رسمي

كانت وزارة البيئة المصرية أطلقت مبادرة “إيكو إيجيبت” التي تهتم بالترويج للسياحة البيئية في مصر وتحسين مهارات العاملين في هذا المجال، في نهايات العام 2020.

كما كثفت وزارتا البيئة والسياحة من تعاونهما، للاهتمام بهذا المجال السياحي الذي يحقق إيرادات ضخمة، وبدأت الوزارتان في تشجيع شهادة “غرين ستار” للفنادق التي تحافظ على البيئة، بعدما كان يتم منح نجمتين للفنادق المبنية وفق الطراز المحلي في مناطق مثل سيوة والواحات وغيرهما.

“إيكولودج الطرفة” في الوادي الجديد

وحسب الموقع الرسمي لمنظمة “غرين ستار هوتيل” فإن هناك 76 فندقاً بمصر نجحت في الحصول على الشهادة، بواقع 18,552 غرفة، في 15 منطقة متفرقة.

وقالت وزيرة البيئة المصرية الدكتورة ياسمين فؤاد إن الوزارة “عملت على تشجيع منح هذه الشهادة للفنادق المبنية من خامات طبيعية محلية، والتي تحافظ على البيئة، وتولد الطاقة من مصادر مستدامة مثل الطاقة الشمسية، بعدما كانت تحصل على نجمتين فقط”.

وأضافت الوزيرة المصرية في تصريحات إعلامية، أخيراً: “الوزارة بدأت تمنح القطاع الخاص حق العمل بالمحميات وفق اشتراطات دقيقة تحافظ على تلك المحميات، كما تشترط الاستعانة بأبناء المنطقة للعمل في تلك المشاريع”.

انتشار واسع

 يرى الخبير في السياحة البيئة أحمد الدسوقي أن “مصر تبدو مصممة بطبيعتها للسياحة البيئية، فالمواقع التي يمكن أن تكون وجهات لهذا النوع من السياحة كثيرة جداً، وجزء منها هو المحميات الطبيعية، ومع هذا فإن هناك مقاصد سياحية أخرى، لكن الاهتمام بهذا القطاع لا يزال دون المستوى المطلوب”.

ويقول الدسوقي الذي يعمل في هذا المجال منذ تسعينات القرن الماضي لـ”النهار العربي”: “في كل منطقة أو محافظة تذهب إليها ستجد وجهة أو أكثر تصلح للسياحة البيئية، ففي القاهرة على سبيل المثال، يوجد “وادي دجلة” وهو محمية طبيعية تمتد لنحو 30 كليومتراً، تصلح للاستجمام والتخييم وقضاء وقت رائع، لكن إدارتها تحتاج إلى المزيد من الإمكانات”.

 سيوة

ويضيف الدسوقي: “السياحة البيئة لا تحتاج إلى استثمارات ضخمة، فهي تعتمد على الخامات الموجودة في البيئة المحيطة بها، هذه نقطة بالغة الأهمية، البنايات، والأدوات المستخدمة، وحتى الطعام المقدم يجب أن يكون من البيئة المحلية، ويجب ألا يتم اللجوء إلى الأسمنت أو الخامات الصناعية الحديثة، لذا فإن تكاليف هذا القطاع منخفضة للغاية، وعوائده كبيرة جداً وواعدة، لو استغل على النحو الصحيح”.

العمالة المحلية

ويؤكد الدسوقي على أهمية الاستعانة بالعمالة المحلية، ويقول: “في سيناء على سبيل المثال، يشكل وجود البدو في المنظومة السياحية، أهمية توازي أهمية الجبال، فوجودهم وفهمهم للبيئة التي عاشوا فيها على مدار مئات السنين، يشكل عنصراً مهماً لنجاح السياحة في تلك المنطقة الساحرة”.

“إيكولودج زواره” في الفيوم

ويشير إلى أن “الاستعانة بخبرة أبناء المنطقة في بناء الكامبات والفنادق المتوافقة مع البيئة، والمصنوعة من خامتها المحلية أمر مهم، إذ استطاعوا من خلال تراكم الخبرة بناء أماكن مناسبة للطقس والظروف البيئية المحيطة بهم، فمثلاً في منطقة سانت كاترين حيث يبلغ ارتفاع تلك المنطقة أكثر من 1000 متر فوق سطح البحر، هناك شكل معين للمنازل لتتناسب مع انخفاض الضغط وقلة الأوكسجين”.

وبينما تركز غالبية الأنظار على المحميات الطبيعية كمقاصد للسياحة البيئية، يرى الخبير السياحي أن “الجبال، والبحار، والأنهار، والمناطق الزراعية التي لا تزال بكراً وتعتمد على خامات طبيعية في مبانيها، يمكن أن تكون مقاصد سياحية بيئية”.

“هيسا كامب” في أسوان

ويضيف الخبير: “هناك مبدأ مهم آخر نبلغه للسياح، وهو أن الأساس أننا نأتي إلى المكان، ونستمتع به، لا نأخذ منه شيئاً، ولا نترك فيه شيئاً، حتى أعقاب السجائر والعبوات الفارغة يتم جمعها في أكياس خاصة ونأخذها معنا عند الرحيل، ولا نترك أي أثر سوى لموقد نار، أو لمكان المعسكر، حتى نرشد من يأتي بعدنا أن هذا المكان صالح للتخييم”.

“كامب وادي صلاح” 

“سرابيط الخادم” في سيناء

Read Previous

هل يُشكّل هجوم “داعش” على سجن في الحسكة مؤشراً إلى عودته؟

Read Next

دعوى قضائيّة جديدة بحق شركة “غوغل” لانتهاكها خصوصيّة المستخدمين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.