في ذكراه الثانية: مانو ديبانغو حارب العنصرية بالموسيقى وهزمه كورونا

كتبت: بثينة عبدالعزيز غريبي

يضحك مانو ديبانغو كلما سئل “لماذا الساكسفون وليس آلة أخرى؟”. وفي مرّة، سألته إعلامية فرنسية: “لماذا ضحكت يا ديبانغو” بعد هذا السؤال. فضحك مجدًدا وأطلق تنهيدة محبّ يخاف رحيل حبيبته. هكذا نفهم أن “ساكسفونه” ليس مجرد آلة موسيقية ينفخ فيها فتخرج منها إيقاعات وأصوات، وإنما آلة تنفث الروح …

 

عندما تلامس شفاه ديبانغو الساكسفون، آلة الريح، يحلق بنا عاليًا ويأخذنا إلى أبعد مدى  لنتعالى بعزفه على محرّك العواصف “نبتون”، فيُخيّل إليك وأنت تستمتع بعزفه أنه يقدم موسيقاه قربانًا لآلهة الأرض في أدغال إفريقيا “فارو” ويدعوها لمراقصة “أبوللو”، إلهة الموسيقى، فيطهّر قلوبنا ليغرسنا من جديد في عمق إنسانيتنا.

آنذاك تشتهي أن تتأمّل لوحة العزف الجميل وتخاطبه: “يا ابن الجنوب يا مريض الحب خلقت طليقًا كطيف النسيم وحرًّا كنور الضحى في سماه ضاقت بك الأدغال فارتميت في عباب البحر زادك صرّة سحر مملوؤة بحبات سوداء مذاقها يحرم النعاس صلبة كإصرارك معانقة قمم الإبداع… بين الأمس واليوم انت هنا وهناك تعيد رسم ملامح انسانية الانسان بالثورة بالفن … وأنت يا افريقي وانت يا أنا يا افريقية هذا مانو ديبانغو وجه الحرية والسلام والفن وجهنا وجه افريقيا”.

من أين نبدأ في سرد قصّته؟ هل نبدأ من غدر الوباء اللّعين الذي تسبب في وفاته في مثل هذا اليوم، الرّابع والعشرين من شهر آذار/ مارس قبل سنتين من الآن؟ وهل  يصحّ الحديث عن الموت في تاريخ من حمل ثقافة الحياة أزلا…؟ هل ننقل تفاصيل الرحلة الأولى أو الحلم الأول أو نبدأ من حيث دعواته المستمرة الى الاتحاد على إختلافاتنا ، دعواته لحياة الابتسامة والحب والسلام؟

إنّه يذكرنا بصوت المناضل الافريقي نيلسون مانديلا وهو يصدح: “اعط الطفل الحب والضحك و السلام ، وليس الإيدز”؟

هل نكتب عن سيرته التي انتشرت في العالم؟ أم عن فنّه ونضاله؟ أم عن وصيّة والدته التي عارضها دائما، ليس عصيانا وانما ثورة على معتقدات أراد كسرها مذ كان طفلا؟ فهو ضد العنصرية حتى وان كانت تحصينًا لنفسه من عنصرية البيض، والمعروف أن والدته طلبت منه ألاّ يتزوج من بيضاء وفي منطق ديبانغو لا وجود لمنطق يقول أن اللون يحدد إنسانية الانسان.

إنّ التفاصيل الدقيقة في حياة ديبانغو هي التي تصنع تفرّده، وتصبح التفاصيل صعبة الترويض حين يسبقنا الفنان الى كتابة سيرته الذاتيّة بمئات الصفحات لكل صفحة منها مئات العبر والحكم.

باختصار لا يمكن الكتابة عن رمز من دون أن تثور على النمط والسائد من تقنيات الكتابات في مختلف الأجناس: فكيف تكون تابعا وأنت تكتب عن ثائر بالفطرة؟

مانو حين كان طفلا في الخامسة عشرة، ترك عائلته في دوالا، واحدة من أكبر المدن في الكاميرون (المستعمرة من فرنسا انذاك) والتقط ما تكون لديه من بذرات أحلام وما يسمح به هذا العمر ربما كان يراها أكبر من طفولته بين الجبل والبحر والشاطئ.

ولكن المثير أنّ هذا الطفل الذي كشف في ما بعد شخصية المناضل الواعي، هرب من فرنسا في الكاميرون الفرنسية الى مرسيليا ومنها الى بروكسيل. ربما لم يشأ أن يتعملق داخله الشعور بالاغتراب وهو على أرض البلاد فيموت قبل أوانه وربما أيضا أراد تبادل الأدوار مع المستعمر فذهب إلى بلاده لينشر الثقافة الافريقية في الوقت الذي كان المستعمر يقوم بنشر ثقافته وغزوه.

حين سئل ديبانغو بعد ستين سنة عن سرّ هجرته إلى فرنسا بلد المستعمر أجاب: “قصدت بلاد البيض اختيارًا، ضرورةً وحتمية”.

 

مغامرة ومكاسب

اذا كان هيرودوت يقول إن “كل مكاسب الانسانية جاءت من المغامرة”، فإن مغامرة مانو تلك حققت مكاسب كثيرة ترجمت في نجاحات عالمية منحته مكانة مهمة. احدى وعشرون يوما يشق البحر من دوالا الى فرنسا، يذهب الى المجهول في سن المراهقة حاملاً معه وصايا العائلة التي لم تهزم فيه وصايا انسان طموح بدأ يكبر فيه منذ أول احتكاك له بالبيانو والجاز في سارت حيث استقر لاستكمال دراسته وفي الجيب 3 كيلوغرامات قهوة سدا لحاجة قد تعيقه.

لم تكن تلك رحلته الأخيرة، فهي الرحلة الأم التي تناسل من رحمها رحلات ابن بطوطة التائق الى اللامسافة، اللازمن، اللاحدود… رحلات هي في الأصل ولادات يتجدد معها ديبانغو هذا الانسان المدمن للاختلاف ايمانه في ذلك أنّ انسانية الانسان لا تحددها رقعة جغرافية ولغة. وايمانه ايضا ان السفر لا يقتل فينا الهوية وانما بحث عن روحها وربما لهذا السبب كان أول البوم له “افريكان سول”.

واستقرار ديبانغو في فرنسا لم يستأصله من جذوره الافريقية. فالإنسان يستمد قيمة وجوده من خلال انتماء للمجموعة بالرجوع الى مدنية ابن خلدون.

مانو هذا الإفريقي عصاميّ التكوين جعل من نفسه سفيرًا لإفريقيا في العالم، بل وجّهها كلما انتقل من رقعة جغرافية الى أخرى وكلما كان حاضرًا في تكريم او اطلالة تلفزيونية كنا نسمع صوتا يهمس: “نا افريقيا وافريقيا أنا”. ومع كل نجاح يعود ديبانغو الى دوالا، الى الكامرون، الى إفريقيا، رافعا رأسه عاليا معتزا بانتمائه يلتقط صور نجاحاته من عيون أبناء أمته، أبناء أرضه، أبناء سمرته. يصافحهم بضحكته التي لم يمحها لا التمييز العنصري حين كان الأسمر الوحيد في مدرسة مارسيليا ولا عجزه عن شراء الساكسافون فاستعان بالمونديل…وحين سئل لماذا كانت انطلاقته بالمونديل فأجاب بكل تلقائية: “لأنها الأقل سعرا…”.

يرحب ابن السمراء بالحياة حتى وان كانت شحيحة لأنه آمن أنّ الإنسان ينمو بالفن والفكر. فنراه لا يأكل ولا ينام بل يقضي الاربع عشرون ساعة أحيانا وهو يشتغل على تطوير موسيقاه وعلى التدرب على ساكسفونه الذي يتقاسم معه حياته.

مانو والساكسوفون

لقد نشأت علاقة تفاعلية وجدانية مقدسة بين مانو والساكسفون الذي يغوص بنا في أعماق فنان تصالح مع نفسه فحمل هدفه الاول افريقيا وثار من أجلها وليس عليها فحفظها في موسيقاه وكتبها تاريخًا مخلداً. ونراه يغني في “الكباريه” ولا يخجل بل يعتبره المدرسة. نعم “الكابريه” مدرسة ولا يجرؤ على الاعتراف بهذا الا فنان في عمق ديبانغو… ففي أحد اللقاءات الاعلامية قال إنه هو المكان الوحيد الذي يمكّنه من غناء كل الألوان والأنماط الموسيقية بكل حرية.

ان سيرة مانو ديبانغو تذكرنا بصدر بيت شهير للمتنبي يقول فيه “على قلق كأن الريح تحتي”، وفناننا ايضًا لا يهدأ على حال يبحث عن  اتحاد يؤمن بالاختلاف. يدافع عن امكانية التعايش السلمي بالاختلاف. فالعدالة التي اخترقتها الطبيعة البشرية يمكن ايجادها بانسانية الانسان.

وفي كتابه الثاني “كواليس حياتي”، والذي صدر بعد كتابه الأول الأول “ثلاث كلغ من القهوة”، برهن ديبانغو انه لم يستسلم من أجل تحقيق هدفه الانساني وان نضاله  مستمر. لقد نشره في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، قبل شهر من احتفاله بعيد ميلاده الثمانين يوم 12 /12/2013  وهي حركة رمزية منه تؤكد اصراره وعزيمته.

ستون سنة من الابداع بين الجاز والسول والإيقاعات الأفريقية، بالبوب والتكنو ترجمها في كتاب يروي سيرته الذاتية من دوالا الى فرنسا التي ظلّ يعيش فيها كإفريقي وليس كفنان افريقي. ولهذا كان وجهًا مشرقًا من وجوه الفرنكفونية في معناها الهادف الى التعايش السلمي من خلال الاختلاف.

لم يسمح مانو للعنصريّة أن تقبر إبداعه وأن تقبر إفريقيته. ولكنه لم يكن يعلم أنّ وباء لعينًا سيختطفه من رحلته النضالية. ومع هذا كان يعي جيدا أنّ الموت حقيقة تنتظره فعاش مبتهجا مستمتعا برحلته الفنية غير آبه للقدر.

إنّها فعلا قصة الإنسان الإفريقي بروح عازف السكسافون السّاحر… إنها قصة الفنان الذي حمل إفريقيا رسالةً ليتصالح مع نفسه ومع الكون.

Read Previous

النظام الدولي يتغير ببطء وصعوبة.. ولكن بشكل جذري – حسين عبدالغني

Read Next

أول عراقي يقتحم عالم الصحافة بقلم وجرأة طالب متوسطة – سلام الشماع

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.