عُمان: مختصون يؤكدون أهمية نقل الأدب العربي إلى اللغات الآسيوية

يؤكد مجموعة من المختصين والمشتغلين بالترجمة على أهمية نقل صنوف الأدب العربي إلى القارئ في جنوب وشرق آسيا على وجه الخصوص، عن طريق اللغات الآسيوية غير العربية، بما فيها على سبيل المثال لا الحصر، الوثائق، أدب الرحلات، الشعر، الروايات الأدبية، ولما لهذا الأدب من تأثير معرفي مغاير في تلك المناطق الجغرافية المهمة، فهم يرون أن نقلها إلى العربية به فوائد كبيرة، أهمها التفاهم والوعي بالآخر، بالإضافة إلى التقارب الاجتماعي والفكري.

في هذا الشأن يقول الدكتور رشدي طاهر، من كلية العلوم الإسلامية بجامعة الأمير سونكلا فرع فطاني بتايلاند: التراث الأدبي ونتاجه ذاكرة الأمم والشعوب وتاريخها، ورمز حضارتها ورقيها، ورسالتها إلى الأجيال المتعاقبة والأمم المتسابقة، والترجمة واسطة العقد بين التاريخ والحاضر ويضيف طاهر: لا يمكن الوصول إلى الحاضر إلا عن طريقها، إن المجتمعات الإنسانية كانت ولا زالت تثبت أحقيتها في الحياة؛ من خلال ممارستها لفنون لغتها؛ فاللغة هي العابرة للزمن، ونتاجها من صنوف الأدب هي الشواهد على حياة تلك المجتمعات، وما أجمل أن تكون تلاقح الأفكار، وتبادل الخبرات والمنافع، ونقل العلوم والتجارب هي السمة الغالبة في مسيرة الأمم والملوك عوضًا عن التباغض والتصارع، كما هو الحال بين المجتمعات العربية ومجتمعات جنوب شرق آسيا بمختلف لغاتها وثقافاتها وانتماءاتها، التي ما فتأت وما انفكت تقتبس من صنوف الأدب العربي، من رواياتها وأدب رحلاتها، والفضل يعود إلى الترجمة التي أقامت جسور التواصل بين هذه الأمم والشعوب، في ماضيها وحاضرها، كي تضرب أروع الأمثلة في تاريخ مسيرة الحضارة الإنسانية على مر العصور.

ويقول همّل بن صالح البلوشي، وهو مترجم ومحاضر لغة إنجليزية بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها، بكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس: مما لا شك فيه أن اللغة هي وعاء للفكر تحتوي في طياتها ثقافة وهوية المتحدثين بها وهي نافذةٌ يمكن من خلالها التعرّف على أهلها وما يميّزهم عن غيرهم.

وفي ظل تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا حول العالم وربط كل الأفعال والصفات السلبيّة بالمسلمين والعرب خصوصًا فإنه من الضروري الآن أكثر من أيّ وقت مضى أن يكون هناك حراك ثقافي عربي يعرّف الآخر عن نفسه ويواجه هذه الدعاية المغلوطة حول كل ما هو عربيّ.

ويشير البلوشي: بالإضافة إلى ذلك، فإنّ اللغة هي جزءٌ مما يعرف بالقوة الناعمة وقد أدركت الكثير من الأمم أهمية هذه القوة فنرى إقامتهم للمراكز الثقافية في مختلف الدول ونشرهم للغات وثقافات بلدانهم للتعريف بها وإيجاد تقارب فكري بينها وبين هذه الدول ومن هذا المنطلق علينا كعرب أن ندرك أهمية نشر اللغة العربية عن طريق الترجمة وتعليمه لغير الناطقين بها حتى يتسنّى لهم التعرّف على الثقافة العربيّة والإسلاميّة ويمكن من خلالها تغيير الصورة النمطية المغلوطة حول العالم للعرب والمسلمين.

ويؤكد البلوشي أن الجهود الترجميّة هي إحدى الوسائل التي يمكن الاعتماد عليها لتعريف الآخر باللغة والثقافة العربية وتقريبه من الحقيقة التي تم تحريفها للأسف الشديد في الإعلام العالمي بسبب دوافع سياسية لا تخفى على أحد.

ويمكن ترجمة مختلف المواد في هذا الصدد من العربية حسب الهدف واهتمامات المتلقي حتى تتحقق من ذلك النتيجة المرجوة.

فعلى سبيل المثال إذا ما أردنا التواصل الثقافي مع الشعوب في جنوب وشرق آسيا فيمكن ترجمة أدب الرحلات والوثائق التاريخية التي تحكي عن العلاقات والصلات بين العالم العربي والمجتمعات في جنوب وشرق آسيا لمد جسور المعرفة وجذب القارئ.

وكون هذه المناطق من المناطق المهمة للتجارة العالمية فمن الضروري أيضًا إبراز وترجمة أي وثائق أو كتب تتعلق بالتجارة والتعامل مع هذه المناطق منذ القدم حتى يعرف القارئ أن العلاقات مع العالم العربي ليست وليدة اليوم وصورة العربي والمسلم لم تكن قاتمة مثل ما يتم تصويره لمختلف المجتمعات اليوم، بالإضافة إلى ذلك من الضروري أيضا ترجمة الروايات العربية التي تعكس واقع المجتمع العربي بشكل عادل وتبيّن مظاهر الحياة والعلاقات الاجتماعية فيها وتظهر منظومة القيم والأخلاق العربية الإسلامية حتى يتعرّف القارئ على المجتمع العربي عن قرب ويفهم طبيعة المجتمع والإنسان العربي.

في السياق ذاته يتحدث الدكتور راسخ الكشميري وهو باحث ومترجم ومتتبع للأدبين العربي والأوردي، ومهتم بالعلاقات الباكستانية الخليجية في هذا الجانب وهنا يشير إلى أن أهمية نقل صنوف الأدب العربي كبيرة، لأنها تساعد في فهم الطرفين، بالإضافة إلى التقارب الاجتماعي والفكري بين الناطقين بالأوردية والعربية، ولا ننسى أن هناك الكثير من الكتّاب من شبه القارة الهندية زاروا البلدان العربية ونقلوا رحلاتهم إلى الأوردية، وكتبوا عن العادات والتقاليد السائدة، خصوصا رحلاتهم نحو الحجاز والبلدان التي مروا بها خلال رحلاتهم تلك.

ويؤكد الكشميري: من جهة أخرى نجد قلة من العرب ممن كتبوا رحلاتهم إلى باكستان، أو الهند أو دول شبه القارة الهندية، وأجزم أن عدم نقل ما كتبه الكتاب الناطقون بالأردية إلى العربية، وعدم تناول الكتّاب العرب عن هذه المنطقة بشكل كبير أوجد فجوة آثارها السلبية لا زالت تخرج بين الفينة والأخرى، منها الاختلافات الفكرية، كذلك الشعور بعدم التقارب بين الناطقين بالأوردية والعربية.

ويضيف: لهذه الفجوة -في ظل الطفرة المعلوماتية وكذلك التضليل الإعلامي- انعكاسات على العلاقات بين البلدان من خلال المواقف الاجتماعية أو السياسية التي تطفوا على السطح من وقت إلى آخر، حيث يتناولها العامة ويقعون في اللغط والقيل والقال في دولة ما مما يؤثر على الشعوب سلبا، أما إن كانت هناك جهود في نقل صنوف الأدب، وحركة أدبية يصل أثرها إلى النخب والعامة يمكن أن يمثل ذلك قوة اجتماعية، وثقافية، وأدبية بين الأدب المترجم منه، والأدب المترجم إليه، ويمكننا من خلال هذه الحركة نقل القضايا التي تهمنا، على سبيل المثال يمكن نقل القضية الكشميرية إلى العالم العربي من خلال الأدب، كذلك يمكننا نقل العادات والتقاليد والثقافة المحلية إلى الأوردية، وكذلك العكس منها إلى العربية.

وفي ختام حديثه يقول الكشميري: مختصر القول إن نقل الأدب العربي إلى الأوردي، أو الأوردي إلى العربي أراها ضرورة ملحة للتقارب بين البلدان العربية والناطقة بالأردية، هذا سيؤثر إيجابًا على العلاقات العربية على المستوى القيادي والشعبي والنخبوي، ويمهد لوفاق فكري على المدى الطويل.

هنا تتحدث المترجمة إيمان الراشدية عن تجربتها مع الترجمة وما نتج عنه من نتائج إيجابية وتشير قائلة: أسهمت دراستي للترجمة من اللغة الصينية إلى اللغة العربية والعكس في جامعة شانغهاي للدراسات الدولية، والأعوام الطويلة – أكثر من سبع سنوات – التي عشتها في جمهورية الصين الشعبية للتعرف بعمق على التراث الإنساني والحضاري للشعب الصيني وعلى الآداب والفنون الصينية بمختلف أنواعها. في المقابل كثيرا ما تلقيت الأسئلة التي تنم عن فضول الشعب الصيني والطلبة الأجانب هناك حول العادات والتقاليد العمانية والتي فتحت لي بابا للتعريف بثقافتي وهويتي العمانية.

ومما لاحظته في الدارسين الصينيين للغة العربية سعيهم الحثيث للسفر للوطن العربي بهدف النهل من معين اللغة من جذورها الأصلية لإيمانهم العميق بأن تعلمها في الصين فقط غير كاف لإجادتها، وأن اللغة هي ثقافة لذلك الانغماس في الثقافة العربية هدف لا يفارق كل طالب منهم. أما الأساتذة الصينيون فهم على مستوى عالٍ من الفصاحة والبلاغة وقد تخرجوا من أعرق الجامعات في وطننا العربي ويجيدون بحرفية كل علوم اللغة العربية.

وتضيف الراشدية: الأدب العربي فلم أجد له أصداء في حوارات عامة الشعب الصيني لكنه حاضر في نقاشات الصينيين الذين يتحدثون اللغة العربية والطلاب الدارسون لها. السؤال الذي يتبادر إلى ذهني في هذا السياق، لماذا لم يصل الأدب العربي بعد لكافة شرائح المجتمع الصيني وبقي محصورا بين المتحدثين بالعربية، أعتقد بأن عملية الترجمة من العربية مهمة ويمكن أن تتكفل بمهمة نقل صنوف الأدب العربي من شعر ونثر وغيرها من جماليات الثقافة العربية للقارئ في جنوب وشرق آسيا بمختلف لغاته المكتوبة وفي مدة زمنية قياسية.

لذلك المترجم هو جسر مهم لنقل صنوف العلوم الأدبية بين الشعوب المختلفة. والأدب العربي والصيني كلاهما يعكسان حضارات أمم عريقة تستحق الترجمة كوسيلة تخاطب وتعارف فيما بينها.

إن عملية ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى من متطلبات النماء في عصرنا، خاصة كون الأدب العربي يمتلك خصائص فريدة تعكس الثقافة العربية التي تميزه عن غيره، ونقله بالترجمة للقارئ الآسيوي بالتحديد سوف تفتح آفاقا من التعارف بين القطاعات الأدبية والثقافية بين الدول، وسوف تسهم أيضا في التعريف برواد الأدب والكُتاب والمدارس الأدبية في الوطن العربي وجنوب وشرق آسيا، وستتيح فرصة لعرض مؤلفات الكاتب العماني الذي يستعرض في أعماله هوية وثقافة بلده التي اعتقد بأنها ستنال حضورا بين أوساط المجتمع الصيني والآسيوي لندرة ما ترجم حولها.

وتختتم الراشدية حديثها: من وجهة نظري أرى أن ترجمة الروايات العربية بمختلف مجالاتها الحديثة والقديمة سوف تحقق نجاحًا بين أوساط القراء في جنوب وشرق آسيا وذلك لما تحتويه من أبعاد تاريخية وإنسانية حول الوطن العربي المترامي الأطراف جغرافيا، الثري بتنوع عادات وتقاليد الإنسان الذي يعيش فيه.

Read Previous

جوليا عودة – عقل العويط

Read Next

جائزة محمود كحيل.. غوص في مشهديّة العصر والذّات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.