معاناة مي زيادة من اضطرابات عقلية وليس المؤامرة وراء دخولها مستشفى العصفورية!

 

تحقيق بقلم مولود بن زادي، كاتب وباحث مقيم في بريطانيا

فاجأت لاعبة الجمباز الأمريكية سيمون بايلز العالم بقرارها الجريء الانسحاب من الألعاب الأولمبية 2020 باليابان للعناية بصحتها العقلية. انسحاب سيمون – المرشحة للفوز بالميدالية الذهبية – يجذب الأنظار إلى تحديات الأمراض العقلية المنتشرة بكثرة في عالمنا، وهي مجموعة متنوعة من الحالات القادرة على تغيير طريقة تفكير الفرد، وهزّ ثقته بنفسه، وهدّ طموحاته وأحلامه، والتأثير في علاقاته بمن حوله.
من أبرز هذه التحديات بارانويا جنون الارتياب والاضطهاد. عانت منه شخصيات شهيرة في العالم أمثال (إدوارد أينشتاين) الابن الثاني للفيزيائي المعروف ألبرت أينشتاين، و(سيد باريت)، كاتب الأغاني وعازف الجيتار ومؤسس فرقة فلويد بينك، والروائية الأمريكية (زيلدا فيتزجيرالد). وتبقى هذه الاضطرابات مجهولة أو مهملة في مجتمعاتنا العربية رغم خطورتها. فما هو جنون الشك والاضطهاد؟ وهل كانت مي زيادة من ضحايا هذا الداء في وطننا العربي؟

أوهام الاضطهاد
يُعرِّف مركز كليفلاند الطبي الأكاديمي العالمي، المختص في البحوث الطبية والتعليم، جنونَ الشك والاضطهاد على أنه “نوع من الأمراض العقلية الخطيرة التي لا يستطيع فيها الشخص معرفة ما هو حقيقي مما هو متخيل.”
تحدث أوهام الاضطهاد عندما يتوهَّم الشخص أن الآخرين يحاولون إيذاءه. أسبابه متعددة، من جملتها صدمات الطفولة، والهزات العاطفية، والعوامل الاجتماعية والوراثية والبيولوجية. وهو من الأمراض العقلية الخطيرة حيث كشف عدد من الدراسات أن معدلات القلق لدى الأفراد الذين يعانون من أوهام الاضطهاد مماثلة لمعدلات القلق لدى الأشخاص المصابين باضطرابات القلق.
ويؤكد (مركز علاج سان رايز هاوس) الأمريكي أنَّه “عندما يعتقد الشخص أن الآخرين يخرجون للقبض عليه، أو سعيا للضرر به، أو مطاردته، أو مشاهدته، أو التجسس عليه، أو الاهتمام المفرط به دون سبب، قد يعاني من البارانويا”.

ضحيَّةُ مؤامرة؟
مي زيادة لم تكن تعاني من اضطرابات عقلية وإنما كانت ضحية مؤامرة من تدبير ابن عمها للاستلاء على ثروتها، ما أدى إلى احتجازها في مستشفى الأمراض العقلية، يقول مؤيدو نظرية المؤامرة. من الأدلة القليلة التي تعتمد عليها النظرية نجاح مي في إلقاء محاضرة في الويست هول مباشرة بعد مغادرتها المستشفى.
فلا يسعنا إلاَّ أن نسأل عما إذا كان إلقاء مي محاضرة أمام الجماهير كافيا لتقييم حالتها العقلية؟ وما إذا كانت الاضطرابات العقلية أساساً تمنع المرء من ممارسة عمله ومخاطبة المجتمع؟ تردّ على ذلك الكاتبة والإعلامية الأمريكية كارولين ريدموند التي حققت في عمليات انتحار المشاهير: “رغم المظاهر الخارجية ، فإنَّ عمليات الانتحار التي يقوم بها المشاهير – مثل هذه الموجودة أمامنا – تُثبت لنا أنه لا يمكننا أبدًا معرفة ما يمر به شخص آخر – ولا ندرك ذلك أحيانًا إلا بعد فوات الأوان.”

الويست هول لا تبرؤها
عيادة كليفلاند المختصة في علاج الأمراض العقلية، من جهتها، تؤكد قدرة المريض العقلي على التصرف الطبيعي: “يمكن للأشخاص الذين يعانون من اضطراب الوهم في كثير من الأحيان الاستمرار في التواصل الاجتماعي والعمل بشكل طبيعي… وبشكل عام، لا يتصرفون تصرفات غريبة”
أفضل مثال لتأكيد قدرة المريض على مخاطبة الجماهير بشكل عادي يصلنا من الألعاب الأولمبية الجارية بطوكيو وقرار العداءة الأمريكية، سيمون بايلز – الفائزة بالميدالية الأولمبية ست مرات – الانسحاب من المنافسة لأجل العناية بصحتها العقلية. رغم سوء أحوال سيمون الذهنية، فإنّ تصرفاتها ظلّت طبيعية، لا تثير الانتباه، حيث شاركت في كل المنافسات السابقة، وحضرت مؤتمرا صحفيا مؤخراً – لا يقلّ ضغطا عن محاضرة مي زيادة – واجهت فيه رجال الإعلام أمام أنظار العالم بأسره، شرحت فيه بهدوء أسباب قرارها. فلا عجب يتطلب تقييم الصحة العقلية سلسلة من الفحوصات، كالفحص البدني لمعرفة ما إذا كان المرض العقلي مرتبطا باضطرابات جسدية كاضطراب الغدة الدرقية أو مشكلة عصبية. ويتطلب تحاليل مخبرية، وفحص الدماغ، والاطلاع على سجل الصحة العقلية، وتاريخ العائلة والعلاجات السابقة، والظروف الشخصية ونمط الحياة، فضلا عن التقييم العقلي من خلال أسئلة دقيقة تعين الطبيب المختص على فهم أفكار المريض ومشاعره وسلوكياته.

أعراض بارانويا الاضطهاد
يصوِّر لنا كامل الشناوي بتفصيل جانبا من معاناة مي زيادة من بارانويا الاضطهاد في كتابه (الذين أحبوا مي وأوبريت جميلة) حيث يتجلَّى أنّ من أعراض حالتها العقلية الاعتقاد بتآمر العالم عليها والخوف المبالغ من حدوث شيء سيء: “أصيبت مي بالانهيار العصبي قبيل الحرب العالمية الأخيرة، وكانت قد سافرت إلى إيطاليا… في مساء هذا اليوم قابلت أحد أصدقائها من رجال المفوضية أو السفارة الفرنسية في إيطاليا فقال لها: وزارة الداخلية الإيطالية تنظر إلى وجودها في إيطاليا بعين الاستياء، ونصحها ألا تفتح فمها بكلمة، فإن كل ما قالته أمس قد بلغ مسامع الدوتشي شخصيا. واصفر وجه مي وصممت على مغادرة الأراضي الإيطالية في اليوم التالي. عادت إلى مصر وقد تملكها شعور جارف بأن الإيطاليين سيقتلونها، فاعتكفت في بيتها، وامتنعت عن مقابلة أصدقائها، وكانت تتصوَّر أنهم سيقتلونها بتحريض من الدوتشي ورجال الجالية الإيطالية في مصر!”
من الأعراض أيضا القلق المستمر والهلوسة: “بلغ من خوف مي على حياتها أنها طردت الطاهي والسفرجي وفتاة المنزل؛ وأحضرت جهازا لتحليل ما تتعاطاه من طعام. فكانت تحلُّلُ اللبن، وتغسل الفاكهة بالمحلول المطهر، وتغلي الماء قبل أن تشربه!”
من الأعراض الأخرى فقدان الثقة بالأشخاص المحيطين بها: “في يوم من الأيام ذهب إليها أنطون الجميل وخليل مطران وإحدى قريباتها، ولم تكد تفتح الباب وتراهم حتى أغلقته في وجوههم صائحة: أيها القتلة! ماذا تريدون؟!”

تقرير اللجنة الطبية الرسمية
إضافة إلى كل الأحداث والشهادات، يعدُّ تقرير اللجنة الطبية الرسمية خير دليل على ما كانت تعانيه مي من مشاكل عقلية. فبعدما ساء وضعها، مثلما ذكر كامل الشناوي “رأى أهلها أن يعرضوها بالقوة على ‘کونسلتوه’ من الأطباء الإخصائيين، وقرَّر الأطباء وجوب إقامتها في مستشفى للأمراض العصبية واختاروا لها مستشفى العصفورية في لبنان.”
وفي المستشفى، لم يفحص مي زيادة طبيب واحد حتى نشك في نزاهته، وإنما فرق من الأطباء أجمعوا على وجوب مكوثها بالمستشفى لعلاجها. تقرير اللجنة الطبية المستقلة لا يدع مجالا للشك في معاناتها، ولا يقبل الجدل لأنه صادر عن فريق من المختصين وتضمن الطبيب مارتان، والدكتور كلميت، والدكتور جورج ملر. استخلصت اللجنة في تقريرها بعد فحص تفصيلي للحالات والأعراض البادية على المريضة، ومراجعة تاريخ المرض، والاطلاع على تقارير الأطباء الذين عالجوها، أنّ “مي زيادة أصيبت بنوبة من نوع الماليخوليا المتواصل، مع رفض الطعام واضطراب ذهني وفقدان الإرادة مع ملازمة فكرة الاضطهاد لها، فكان من الطبيعي أن تصير تغطيتها بواسطة أنبوبة من الكوتشوك وأنّ حالة المريضة العمومية خطيرة جداً. وهذه الحالة استوجبت معالجتها في مستشفى العصفورية”

مي ضحية الذاتية العربية
ثار أنصارُ نظرية المؤامرة في عصر مي زيادة، فأقاموا الدنيا وأقعدوها لإخراجها من المستشفى، تجرفُهم سيولُ العواطف والأوهام، وهي تعاني من اضطرابات عقلية لا يعلمها إلاّ الأطباء. أكدت معاناتها لجنة طبية مستقلة ضمت نخبة من أبرز أطباء عصرها أمثال الجنرال الطبيب مارتان، مدير الشؤون الصحية في المفوضية العليا؛ والدكتور كلميت، الأستاذ في الكلية الطبية الفرنسية في بيروت؛ والدكتور جورج ملر، كبير أطباء الكلية الطبية في الجامعة الأمريكية في بيروت. أخرِجت مي من المستشفى بالضغط، وهي غير قادرة على البقاء دون مراقبة وعناية طبية دائمتين، نتيجة اضطراباتها العقلية. فرحلت بعدها، في غياهب الهواجس والعزلة، بعيدا عن أعين الأطباء الذين كانوا يسهرون على إسعافها وخدمتها وراحتها. فقبيل خروجها، كانت اللجنة الطبية قد أنذرت بأنَّ مي “لم تحصل على الشفاء بعد. قواها الجسدية لا يزال بعضها في شلل، بينما هي لا تزال تواصل البكاء، ويرافق هذا البكاء قلق وأوهام واضطرابات.” وأكد التقرير الرسمي بما لا يدع سبيلا للشك والجدل أنها كانت تعاني من بارانويا الاضطهاد: “أما حالتها العقلية والعاطفية فلا تزال جافة ومحصورة ضمن نطاق فكرة الاضطهاد والخوف من المؤامرات الوهمية.”
واليوم تستمر نظرية المؤامرة التي لم يسلم من قذائفها حتى الأطباء المختصون الذين قاموا بواجبهم المهني. نظرية المؤامرة مرشحة لأن تستمر لزمن أطول رغم ضعف دعائمها وقوة الحجج العلمية، تُنعشُها الذاتية العربية.
من أبشع صور الذاتية العربية أن صارت الجماهير تؤمن بالشعوذة والخرافة وتكفر بالعلوم والمعرفة، وتكذّب طبيبا يسهر على علاج المعلول، وتصدق مريضا لا يعي ما يقول!
لكنّ توَفُّر التقارير الطبية الرسمية – فضلاً عن شهادات أبناء عصرها – لا يدع مجالا للشك في أنّ النظرية محكوم عليها بالانهيار في الأجيال القادمة، لتُنصَف فرقٌ طبية متعددة أشرفت على فحصها وسهرت على علاجها، ذنبها الوحيد أنّ توصياتها وقراراتها لم ترضِ أنصارها المتعصبين لها.

)المقال ثمرة بحث متعدد المراجع اجتهدت من خلاله لجمع أدلة بما في ذلك تقرير طبي حاسم أعده فريق من كبار الأطباء أشرفوا على فحص مي زيادة، أكدوا فيه استمرار معاناتها من اضطرابات عقلية والبارانويا، قبيل خروجها من مستشفى العصفورة تحت ضغط مثقفين عرب آلت بهم العاطفة للتدخل في عمل الأطباء المختصين وهو ليس من اختصاصهم. ومثلما أنذر المختصون تماما، فقد لاحقت الاضطرابات مي زيادة بعد خروجها من المستشفى، وآلت بها إلى الموت في عزلتها بعيدا عن الرعاية الطبية التي كانت في أمس الحاجة إليها. غرضي من إجراء هذا التحقيق المجهد هو رد الاعتبار لفرق طبية مختصة اتهمت من غير حق بالتآمر على مي زيادة ولو كان أصحاب نظرية المؤامرة على حق لعرضوا علينا أدلة ملموسة بدلا من التلاعب بعواطف الجماهير ولجأوا إلى العدالة، فالقانون فوق الجميع والمتهم بريء إلى أن يثبت الجرم. اكتفى هؤلاء بالاعتماد على ما رددته مي زيادة من اتهامات بالتآمر عليها وهو باطل، لأنه من أعراض جنون الارتياب وجزء لا يتجزأ من الاضطرابات العقلية التي عانت منها مي زيادة وأكدتها الفرق الطبية.)

Read Previous

رواية مفقودة للكاتب لوي فردينان سيلين بعنوان “حرب”

Read Next

فوز ماكرون ليس هزيمة للشعبوية

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.