الشيعية السياسية في “الليوان”… هل من مُستهدف؟! حسن المصطفى

ضمن دورته لشهر رمضان هذا العام، كنتُ ضيف برنامج “الليوان” الذي يقدمه الإعلامي عبد الله المديفر، على شاشة “روتانا خليجية”، وهو أحد البرامج الأكثر مشاهدة في السعودية ضمن الموسم الرمضاني.

لم تكن حلقة اعتيادية، لأنها تطرقت لخارطة التيارات الدينية التقليدية والحركية في أوساط السعوديين الشيعة، تناولتها بالتفصيل والأسماء، ودخلت في مناطق غائرة حول أحداث مفصلية: مظاهرات محرم 1400 هـ في القطيف شرق السعودية، أحداث موسم حج 1987، تفجيرات المنطقة الشرقية 1988، تفجير أبراج الخبر 1996، تظاهرات العام 2011 وأحداث العنف والإرهاب التي تلتها في بلدة العوامية… وسواها من الملفات الشائكة، سياسياً وأمنياً ومذهبياً.

كانت الحلقة أشبه بسيرة شريحة واسعة من السعوديين الشيعة الذين جايلوا هذه المحطات وتأثروا بها، وغيرت في مجرى حياتهم، وساقتهم نحو خيارات لم يكن كثرٌ منهم يودون ركوبها أو الانصياع لها، إنما السياق التاريخي كان متفجراً: عودة السيد الخميني إلى إيران 1979، احتلال جهيمان العتيبي للحرم المكي، الحرب العراقية – الإيرانية، صعود تياريَّ “الصحوة” و”السرورية” ونشاط “الإخوان المسلمين” في الداخل السعودي، “الجهاد الأفغاني”، دون إغفال نشوء تنظيمي “منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية” و”حزب الله الحجاز”.كل ذلك وسط خطاب مذهبي، وصل حد “التكفير” و”التفسيق” و”العنف الرمزي”، الأمر الذي أفرز الكثير من الأمراض المجتمعية، وجعل الخطابات الدينية المتشددة هي المتسيّدة، وسط ممانعة من بعض الأصوات المدنية والليبرالية، التي بقيت متحصنة في بعض الصحف والمجلات أو المناسبات الثقافية والمحاضرات، هنا وهناك!

من هنا أتت حلقة “الليوان” لتضيء على تلك الحقبة، وعلى ما أنتجته من مشكلات تحتاج لعلاج ناجع، يشترك فيه الجميع، ويكون أساسه المواطنة الشاملة، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون، وإدماج مختلف المواطنين في كافة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، وتجريم كافة أشكال التمييز الطائفي والمناطقي والقبلي.

الحديث الصريح الذي اجترحته حلقة “الليوان”، كان أمراً ضرورياً للتشافي من أسقام أكثر من 40 عاماً، عاث فيها المتشددون الدينيون فساداً وتمييزاً وتكفيراً وقهراً لشركائهم في الوطن، ليس تجاه المسلمين الشيعة وحسب، بل تجاه كل من يختلف معهم، سنياً كان أم شيعياً، أو حتى وإن كان أباً أو أماً أو أخاً. كما اختطفت فيها حركات الإسلام السياسي أجيالاً من السعوديين، وجعلتهم ينخرطون في مشاريع عبثية، كانت نتيجتها أن تورط بعضهم في أعمال عنف وإرهاب!

هل تلك الصراحة التي اتسم بها الحوار كانت موجهة ضد تيار محدد، بغية التحريض عليه، أو التمهيد لحملة أمنية أو اغتيال معنوي له؟

سؤال مشروع، لأن ليس من سؤال يجب أن يحظر عليه، إنما هو سؤال ينم عن نية مضمرة، لا تريد لأحد أن يتفوه بكلمة تراجع الماضي أو  تحاججه، أو أن يطرح الملفات الشائكة للنقاش حول تاريخ الحركيين الشيعة، خوفاً من تداعياتها الاجتماعية، التي نتيجتها المنطقية: فقدان السطوة والحظوة والنفوذ على الجمهور، وبالتالي خسران الزعامة!

لقد بات السعوديون الشيعة أكثر وعياً واستقلالية، وبعداً عن الانقياد الأعمى خلف رجال الدين، بل باتوا يرون المستقبل من منظور وطني أشمل، يتجاوز الطوائف والتقسيمات الضيقة الأقلوية.

من جهة أخرى، إن من يعي المشهد الحالي في السعودية، يعلم أن “الدولة” ليست كائناً غرائزياً يخضع للتحريض، وليس من وظيفة “الدولة” الانتقام وزج المواطنين في السجون أو البطش بهم أو تصيد العثرات، لأن “الدولة” كيان جامع، لا يسره أن يفقد أحدٌ من المواطنين حياته في درب العنف، بل مصلحة الجميع تقتضي أن تعالج القضايا المختلفة بحكمة وروية، بما يجلب المصالح ويدرأ المفاسد، وبأقل الاكلاف، مع الحفاظ على سلامة وأمن المجتمع، ودون تعريض مقدراته للخطر.

ما أفهمه شخصياً من سياق “رؤية المملكة 2030” أنها مشروع يروم تصحيح أخطاء الماضي، علاجها بشكل جذري، والقطيعة التامة مع حقبة التشدد الديني والتحريض المذهبي؛ وهي بذلك تبتغي علاج الأسقام من خلال حلول مدنية، غير تقليدية، بعيدة عن المناكفة أو التقريع المرضي.

إن “الأجهزة الحكومية” ليست وظيفتها الذهاب للتفتيش عما في نيات الناس، وشقِ قلوبهم التي لا يعلم ما بها سوى الله، وإنما ما يهمها التزامهم بالنظام والقانون، وعدم التورط في أعمال عنف وإرهاب أو تحريض على العصيان والفوضى.

من هنا، فالقول بأن حوار “الليوان” حول “الشيعية السياسية” وظيفته التحضير لضرب تيارات محددة داخل أوساط السعوديين الشيعة، إنما هو رجمٌ بالغيب، وقولٌ لا يخلو من تكاذب وخبثٍ سياسي، وفي أحسن الحالات سذاجة وقلة كياسة. وهو في حقيقته اتهام باطل يريد إسكات الأصوات الوطنية التي تقوم بمراجعات علنية للتاريخ السياسي والفكري للسعوديين الشيعة.

إذا كان من شيء يستهدفه حوار “الليوان” فهو تحذير الجيل الجديد من السعوديين، من تكرار أخطاء بعض من سبقوهم، والقول إن هذه التيارات الحركية المتأسلمة، كانت تجاربها فيها الكثير من الثغرات القاتلة، وأنها جلبت المشكلات التي أخرت التقدم المأمول.

حوار “الليوان” هو جرس إنذار للسعوديين جميعاً، بأنه لا بديل لهم عن “الدولة” وعن “سيادة القانون” واحترام التنوع المذهبي والثقافي، وأن الانخراط في التنمية والبناء، هو الطريق القويم الذي يقود إلى الاستقرار ولدولة مدنية حديثة ومتقدمة، وأن الإصلاح الحقيقي يكون من خلال أجندة وطنية خالصة، بعيداً عن إملاءات الخارج ورغباته ومصالحه.

وحدهم المتأسلمون سنة وشيعة من أزعجتهم صراحة حوار “الليوان” وبدأ بعضهم يتحسسون رقابهم، معتقدين أن ثمة سيوفاً مسلطة عليها! فيما الحق، أن ليس ثمة سيوف تشحذُ، وإنما هي دعوة صادقة لشحذ الهمم والعقول، والمراجعات الشفافة، والعبور بسلام نحو المستقبل، والانخراط التام في تحقيق أهداف “رؤية المملكة 2030″، لا أكثر ولا أقل. إنما من “يحسبون كل صيحة عليهم”، فأولئك كـ”الخشب المسندة” التي لا تريد أن تتغير، ولا تريد أن يشارك أحدٌ في التغيير، ولا تريد للتغيير إلا أن يمر عبرها، وبالطريقة التي تعتقد أنها الأقوم، وهذا زمنٌ ولى وانتهى، فلا وصاية لرجل دين أو لتيار  حركي على السعوديين بعد اليوم!

Read Previous

ممثل ادّعاء يتوقع اعترافاً بالذنب مقابل تخفيف أحكام إعدام السجناء الخطرين.. باحث أميركي: معتقل غوانتانامو وصمة عار أخلاقية للولايات المتحدة

Read Next

القارة تعتبر مسرحاً للعمليات الاستخباراتية.. الجواسيس الروس في أوروبا يُطردون بشكل جماعي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.