بطلوع الروح.. حكايا داعش بين قسوة الواقع وتأثير نتفلكس

كتب: شريف صالح

يُقدّم مسلسل “بطلوع الروح” خطابًا عالي النبرة كمن يقول: “انظروا إلى داعش. إنهم سفّاحون وقتلة… انظروا ماذا يفعلون بالنساء والأطفال وكل من يختلف معهم أو يحاول الهرب منهم!”.

ولكن، أين الجديد في هذا الخطاب؟ أليست أفكار المتطرفين معروفة لدى الجميع؟ والسؤال الأهم، هل نجحت المسلسلات المندّدة بالجماعات الدينية مثل “العائلة” (1994)، و”القاهرة/ كابول” و”العائدون” وصولًا إلى سلسلة “الاختيار”، في “تنفير” الناس فعلًا من تلك الجماعات على اختلافها؟

انشغل المسلسل بتقديم جملة وصفية “طويلة جدًا” عن داعش: حياتهم الاجتماعية، رجالهم ونسائهم، تدريباتهم العسكرية، عملياتهم الإرهابية، وسجونهم.

تقوم الحلقات كلّها على مقطع استهلالي، يسبق “التتر” ليوضح خلفيات الشخصيات قبل انضمامها إلى “داعش”. نتعرف في ومضات سريعة على “أكرم”: دراسته في الكلية، وحبه لزميلته “روح” وزواجه وإنجابه منها، وعمله المرموق. كما نتعرف على صديقه “عمر” العاشق ل “روح” والذي يختلس النظرات إليها، ويتعذب لأنها أحبت غيره، وعلى “أم جهاد” في أعقاب الثورة المصرية وهي تستقبل زوجها المعتقل “الشيخ نصار” (جلال العشري).

هذه الاستعادة تعمق معرفتنا بالشخصيات، وترينا الأسباب التي انتهت بها إلى الرّقة. وثمة ما يوحي بأنها شخصيات مشوهة نفسيًا وروحيًا، فعمر حاقد شهواني ومتلصص على “روح”، إلى درجة أنه مزق صورة جماعية كي يبعد زوجها عنها، وهو المعادل الفوتوغرافي لما حدث دراميًا عندما زج به إلى “غزوة” يعلم أنه لن يعود منها.

و”أكرم” ليس أفضل حالًا، فهو مهزوز وضعيف، يسهل التأثير عليه من قبل عمر، وصاحب مزاج حاد ما بين الفسق وشرب الخمر والمخدرات والتدين، متأرجحًا بسرعة من نقيض إلى نقيض.

ولا تبدو “أم جهاد” أفضل حالًا فهي أيضًا امرأة “شهوانية” تهتم بوجودها في الفراش أكثر من العبادة، ولا تتردد قبل اكتمال العدة ـ عقب اغتيال زوجها ـ من عرض نفسها زوجة لشاب أصغر منها سنًا هو “الشيخ عمر”.

وقد يسأل أحدهم، هل كل من ينتمون إلى “الجماعات الدينية” هم شهوانيون، ومنحرفون، ومشوهين نفسيًا؟

يبدو هذا تفسيرًا فرويديًا معقولًا، بحيث يحقق الانتماء إلى “قطيع” سالب للحرية الفردية، تساميًا على تشوهات الذات وشهوانيتها، وإيهامها بالانتماء إلى فكرة جماعية أسمى.

ويبقى السؤال: رغم هذه الصورة الرديئة والعنيفة لداعش، ونمط الحياة الفج والخشن للجماعات الدينية عمومًا، ما سرّ انتماء الملايين إليهم؟ هل كل هؤلاء مشوهين نفسيًا وشهوانيين؟ ولماذا رغم إنتاج عشرات المسلسلات في العقود الماضية تزداد هذه الجماعات حضورًا، وكل نسخة منها أشد عنفًا من سابقتها؟!

رأينا “أكرم” شابًا يعيش حياة مرفهة، ومع ذلك لم يشعر بأنه يمثل “نموذجًا سعيدًا”، ثم تابعنا ارتباكه بعدما اندمج في حياة الدعشنة، ولا يبدو أيضًا أنه عثر على “نموذج للسعادة”! فما الفرق؟

تابعنا كيف يعيش الناس في سجن داعش وقبضتهم، وجلدهم وقتلهم رميًا بالرصاص. وفي المقابل ظهرت قوات كردية محاربة لداعش تضع العشرات  في سجن بائس، ولا تتردد في تعذيبهم.

فما الفرق بين الطرفين وفق المعايير الإنسانية؟ أليست هي دائرة عنف تأكل جميع المتورطين فيها؟

ليس القصد طبعًا تبرير “إجرام داعش” في حق الإنسانية، وإنما محاولة تفسير الظاهرة وسرّ هذا “الهوس الديني” في الشرق الأوسط. فمع رداءة معظم النماذج المتاحة للناس: حزبية، قومية، عرقية، علمانية… يجد الناس ضالتهم في “النموذج الديني” بغض النظر عن مدى سوئه أو اعتداله.

إنها خسارة الدنيا وبؤس مساراتها (في العالم العربي والإسلامي عمومًا) ومن ثم يظل الرهان المتبقي، والمتاح، هو الاحتماء وراء قناع ديني.

روح بطلة مركزية

صاغ الكاتب محـمد هشام عبية شخصية “روح” كشخصية مركزية، تلتقي عندها جميع الشخصيات، ودراميًا هي الوحيدة التي نتابع كفاحها الجدّي للهروب من سجن داعش.

وقدمت منة شلبي أداء يتسم بالعفوية، والبساطة، والعاطفية، رغم الانتقالات السريعة ما بين الضعف والقوة، الحب والكراهية، الرفض والتعايش.

إنها شخصية “إنسانية” من لحم ودم، ليست ملحدة، وليست متشددة ومختبئة وراء الطقوس، لديها وجه عصري يظهر في مهنتها بأحد الفنادق، وشرب الخمر، لكنها أيضًا تتميز بتدين فطري، وأمومة رائعة.

تمثل “روح” شريحة كبيرة من النساء والرجال “العاديين”، الذين يحاولون التصالح مع تناقضاتهم، ومع تعقيدات الحياة نفسها، ولا تخسر الأمل أبدًا.

بينما قدم “الشيخ عمر” (أحمد السعدني) نموذجًا قويًا للازدواجية والكبت، فهو “أمير داعشي” يؤدي بانضباط، ولغة صريحة جيدة، ويخفي ببراعة ضعفه العاطفي وشهوانيته.

كذلك حافظ “أكرم” (محمـد حاتم) على شعرة التوتر والخوف والهشاشة في شخصيته في الحالين: قبل وبعد داعش.

في حين مال أداء إلهام شاهين إلى “الهزلية” (رغم تراجيدية السرد)، ففي معظم مشاهدها تبدو مثيرة للضحك، أكثر من القناعة بها كزعيمة داعشية.

وثمة أداءات أخرى محترمة رغم صغر المساحة خصوصًا “لينا” زوجة الشيخ عمر (الممثلة السورية هاجر السراج)، ومواطنتها الممثلة دارينا الجندي في دور “الكوافيرة”.

هجوم على هجوم

من المفهوم أن يوظف “بطلوع الروح” الدراما لفضح ممارسات “داعش”، مع ذلك لاقى المسلسل “هجومًا” من بعضهم، مثل الممثلة المعتزلة عبير الشرقاوي قالت إن “بطلوع الروح خسارة فيه الفلوس”. وأشارت إلى عدم اقتناعها بإظهار أعضاء داعش يشربون الخمر، لأنهم يعتبرون أنفسهم “مجاهدين” في سبيل الله، حتى لو كنا نعتبرهم نحن على (باطل).

عبير التي ارتدت الحجاب مبكرًا ولم تترك أية بصمة فنية، تريد أن تقول إنها “تؤمن أن داعش على باطل” وفي الوقت نفسه غير مقتنعة ب “الصورة السيئة” لها، كما تبدت دراميًا.

هذا التناقض، يشبه تناقضًا أكثر عمقًا حول عدم إصدار الأزهر فتوى “تكفير داعش”؟ فهل مع هذه “الأفعال” يستحقون وصفهم ب “المسلمين”؟ ثم ماذا عن “الإخوان” التي تصنفها بعض الدول كمنظمة “إرهابية”؟

ولماذا ثمة نبرة تشكك في الدراما ورفض للتصوير السلبي للجماعات المتطرفة؟ رغم الإقرار في الوقت نفسه بفظاعة “الإرهاب”؟

إن الإجابة تكمن في ثلاثة احتمالات: إما نوع من “الإنكار” كآلية تلقائية لا تتصور أن يكون رجل الدين منحرفًا وشهوانيًا مثلًا؟ وإما نوع من العاطفة الدينية الساذجة التي تعتبر الهجوم على أية جماعة دينية بمثابة تشويه ل “الإسلام” نفسه. فكل هذه الجماعات ـ في نهاية الأمر ـ تؤمن بالشهادتين!

الاحتمال الثالث ـ الأكثر أهمية ـ يعود إلى جوهر الأديان وفكرة التديّن وامتلاك “اليقين” والأفضلية،. ما أدى الى نشوء حروب كثيرة لأسباب دينية أكثر منها سياسية.

هذا التصور “العام”، أصبح “خاصًا” وتمارسه تلك الجماعات الإسلاموية ضد مسلمين مختلفين معها، بوصفهم “آخر” مُحتقر ومستباح دمه.

إن بذرة الدعشنة تكمن في ذلك “اليقين المتعالي”، وهو ما تظهره جمل حوارية كثيرة في المسلسل، حيث نجد أن الكلام والأحكام دائمًا ب “اسم الله” دون ذرة شك واحدة. وكلما ازدادت درجة اليقين، وتصور امتلاك خطاب “نقي” للإسلام عند أي فرد أو جماعة، كلما اشتد العنف وفظاعة الجرائم، حتى لو ثبت أن هذا النقاء ليس أكثر من وهم! وهي حالة تشبه النزعة “البيوريتانية” في أديان أخرى.

الخلافة على الطريقة السويدية

إن المسلسلات الناقدة أو الفاضحة، للجماعات الإسلاموية، لا تقتصر على الإنتاج الناطق بالعربية، فشبكة نتفلكس عرضت بضعة أعمال أشهرها المسلسل السويدي “الخلافة” Caliphate إنتاج 2020، ويبدو أنّ مسلسل “بطلوع الروح” هو نسخة معربة منه.

صحيح أن صناع الأخير يقولون إنه “مستوحى من أحداث حقيقية” لكنه لم يقدم معلومات ذات طابع توثيقي يعتد به.

في كلا العملين محور الارتكاز هي البطلة التي تحاول الفرار من جحيم داعش في الرقة، مع طلفتها، التي تحولت إلى طفل في النسخة المصرية/اللبنانية، وأيضًا لم يغرق العمل السويدي نفسه في جمل وصفية ونمطية ومستلهكة عن داعش، بل أعطى للأبعاد الإنسانية حظوظها، ومزج بين مشاهد في أرض داعش وأخرى في السويد.

كلّ هذه الخيارات استعانت بها المخرجة كاملة أبو ذكرى، فرأينا أسرة النوم، وقصص الحب المحبطة، والعالم السري للكوافيرة، ومرض الطفل ابن “روح”، وكسر سوداية عالم داعش، بمشاهد من مصر وتركيا حيث يحاول والد روح (عزت زين) إنقاذها.

لكنّ الفرق عمومًا يظل لمصلحة المسلسل السويدي، لأنه أكثر كثافة (ثماني حلقات فقط) بينما ثمة حشو وترهل في النسخة العربية، فمثلاً يستمر مشهد دقائق طويلة لمجرد أن تعرض “أم جهاد” نفسها على “الشيخ عمر”، أو حلقة كاملة لمجرد أن نعلم أن والد “روح” يحاول إنقاذها.

كما حافظ  العمل السويدي على إيقاع سريع جدًا، بسبب طابعه الجاسوسي والاستخباراتي، الذي يحبس الأنفاس، وهو ما لم يتوفر في النسخة العربية.

على أية حال، يحسب لأبو ذكري إدارتها للكاميرا وتقديم كادرات جيدة، وومضات إنسانية ستظل عالقة بالذاكرة، وكاشفة لبؤس الوعي والواقع معًا.

Read Previous

غيث الإماراتي يستعد لاختتام الموسم الخامس من قلبي اطمأن

Read Next

إزالة الكربون تشكل ضرورة استراتيجية الآن

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.