تآكل الدولة الاجتماعية في الخليج – د عبدالله باحجاج

منذ فترة زمنية فوق القصيرة، وأنا أفكر في طبيعة الإصلاحات الجديدة في دول مجلس التعاون الخليجي التي تحدث بسرعة زمنية فائقة التصورات والتوقعات، وعالية الإصرار في التطبيق حتى دون الالتفات لرأي المؤسسات الحكومية المعنية بديمومة الأمن والاستقرار فيها، ومن خلال متابعاتي للوضع العام، خرجت بنموذجين يقسمان الدول الخليجية الست، يختلفان في المسارات، ويلتقيان في الانعكاسات المترتبة عليهما، الأول يستهدف المسار الفكري والأيديولوجي، والثاني المسار المالي والاقتصادي، والقاسم المشترك لهما، هو أنهما يمسان البعد الاجتماعي الخليجي بصورة مباشرة، وفي أعماقه، وبوسائل غير ممنهجة زمنيا، فماذا نتوقع من مواقف اجتماعية؟

بدأت الإصلاحات في جوهرها، وكأنها تستهدف إقامة نظام جديد فوق نظام قديم، مختلفين شكلا ومضمونا، ويتم التغيير بصورة دراماتيكية كمن ينتقل بين قنوات فضائية عبر جهاز التحكم بالقنوات «الريموت كنترول»، وهذا استدلال يعبّر عن عدم مراعاة التجذرات الاجتماعية المؤطرة «ثوابت وأوضاع» التي تأسست خلال النظام المراد تغييره، حتى دون الاستماع لأصوات العقل من أقرب المصدقين الذين لا يشك في ولائهم وانتماءاتهم.

والمفارقة الكبرى هنا، أن بداية التغيير بدأت بمفاصل اجتماعية مباشرة، أثارت الاستياء العلني في بعضها، والأخرى تستنكر بين النخب، وقد اخترت فرضية طرح التساؤلات العقلانية لمخاطبة العقل السياسي، واختصرها في الآتي:

– هل كان من الحكمة السياسية أن تبدأ الإصلاحات أولا بتلك التي تنتج آلامًا اجتماعية تشمل الطبقتين الفقيرة والوسطى؟

– هل يمكن للأنظمة أن تبني مصيرها الجديد بمجتمعات ضعيفة؟

– أو هل يمكن أن تقيم نهضتها المعاصرة، وتترك خلفها مجتمعاتها غير متناغمة ومنسجمة معها؟

– وهل الوسيلة القسرية لفرض السيطرة الحكومية على المجتمعات، ستحقق لها الاستقرار الاجتماعي والسياسي في عصر الضرائب، والانفتاح الخليجي الجديد، والتساهل الفكري والأيديولوجي مع كل الآخرين – المتفقين والمختلفين مع المجتمعات الخليجية؟

التساؤلات مطروحة على النموذجين معًا رغم تباينهما في عملية تأسيس بدايات النظام الجديد، ففي النموذج الأول، تتم مقايضة المجتمعات بالمال والحقوق الاقتصادية دون السياسية، مع إحداث تحولات جذرية في منظومتها الفكرية والأيديولوجية، وهذا يأتي بعد نجاحها في تأصيل فكرة ضمانة الحقوق الاقتصادية أولا، وحتى لا تنشغل بالحقوق السياسية، وهنا تأكل الدولة الاجتماعية في حمولتها الأيديولوجية والفكرية.

بينما النموذج الآخر على العكس، يسابق الوقت في تطبيق منظومة متكاملة للضرائب والرسوم دون المساس المباشر بالمكون الفكري والأيديولوجي، وهذا يعني تآكل الدولة الاجتماعية في حمايتها للحقوق المالية والاقتصادية لمجتمعات، وكل نموذج منهما له تداعياته:

الأول، يؤشر على إنتاج كيانات سياسية جديدة في دولها، هذا إذا لم تكن قد تشكلت تحت السطح الاجتماعي والثقافي.. إلخ، لأنه لا يمكن الرهان المستدام على تأمين الحقوق الاقتصادية، وفصل الكينونة الاجتماعية عن قضاياها الفكرية والأيديولوجية العربية والإسلامية.. إلخ.

والثاني، يقود مسيرة راديكالية، يكون لنظام الضرائب الغلبة فيه «توقيتا» على بقية الإصلاحات الأخرى، وهذا سيؤدي إلى التآكل السريع للمكاسب الاجتماعية التي تأسست منذ عقود، والسيناريوهات كلها محتملة.

وكل من يتابع ويحلل السياسة الاجتماعية وفق النموذجين سالفي الذكر، سيندهش من سرعة الانقضاض على الدولة الاجتماعية في الخليج، وسيخرج من تحليلاته بثلاثة مشاهد مقلقة، وهي:

– المشهد الأيديولوجي، ستظهر الغلبة فيه للأيديولوجيات العابرة للمنطقة على حساب الوطنية في كل دولة خليجية مع التفاوت، ومؤشراتها واضحة الآن في بعض الدول، والمدهش هنا، القدرة المالية للأيديولوجيات العابرة، مما قد يساعدها ذلك على اختراق الأيديولوجيات الوطنية.. خاصة الجيل الجديد في الخليج الذي سيكون مستهدفا مباشرة منها.

– المشهد الإنساني، ستظهر فيه معاناة البعد الديموغرافي من الناحيتين المالية والاقتصادية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، ووجود قضايا محتقنة مثل البطالة والمرتبات الضعيفة.. إلخ وسيبتعد البعد الاجتماعي بنيويا عن روابطه السياسية، ولن نستبعد مكونه الأيديولوجي إذا ما ربطت المشهد الأيديولوجي مع المشهد الإنساني.

– المشهد السياسي، فاستيراد المفهوم الليبيرالي/ النيوليبيرالي للدولة في الخليج، وبكل علاته في التطبيق، سيترتب عليه تباعا، استيراده سياسيا كذلك، وهذا سيكون شأن النخب الخليجية التي قد تستغل المكون الديموغرافي كضغط داخلي، مع تقاطعه مع البعد الأمريكي، كما تمت الإشارة إليه سابقا.

– المشهد الجيوسياسي، وهو يتجه نحو التنافس الإقليمي بعد تفاؤل لم يدم طويلا، وكنت اعتقد أن الظروف تنتج التوأم الجيوسياسي للشركاء في الخليج، لكنه يبتعد الآن كثيرا، وبالتالي إمكانية استغلال المشاهد السابقة واردة، ونجاحه مضمون بصورة مثالية.

ويتوقع أن تظهر هذه المشاهد في الأجل المتوسط رغم أن بوادرها ظهرت فورية، وبصورة شاملة، منذ سنة على الأقل، وأدعو العقل السياسي الخليجي إلى استشراف تأثيرات هذه المشاهد في حقبة حكم الديموقراطيين في الولايات المتحدة الأمريكية الذين يستغلون قضايا مثل حقوق الإنسان، والديمقراطية، والأقليات، واحتواء النخب الفاعلة والمستقلة في كل دولة للضغط على دولها لتحقيق منافعهم المتعددة، ولا ينبغي أن تراهن أي دولة خليجية على حجم وماهيات تعاونها وتنازلاتها للأمريكيين، واعتباره كافيًا لتأمين ضغوطاتهم، فهؤلاء لا يشبعون ولا يملون من الأكل.. وما أن تظهر ثروات جديدة إلا ويسيل لعابهم عليها.

وطبيعة المشاهد متداخلة داخل كل دولة خليجية مهما كان تموقعها في أي من النموذجين، لأنهما -أي النموذجين- يضعفان قوة الدولة الاجتماعية في الخليج سواء في البعد الأيديولوجي والفكري بالنسبة للنموذج الأول، أو الجانب المعيشي للنموذج الآخر، وكلاهما من مقومات قوة الدولة الاجتماعية في الخليج.

وكل سياسي يعتقد أنه بإمكانه الحفاظ على أركان الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي بعد تآكل الدولة الاجتماعية، أو بعد اعتماد الخيار الليبيرالي/ النيوليبيرالي على أنقاض الدولة الاجتماعية، فهو يغامر بقوة بلاده الناعمة، لأن يفككها، فهل بوعي أم للاوعي؟ وهذا المقال يستهدف هنا بالدرجة الأولى هذا الوعي، تحذيرا من تحول بوصلة الولاء والانتماء في كل الاتجاهات الأفقية بعد ما كانت رأسية، مما سيشكل ذلك صداعات مزمنة للأنظمة السياسية، حيث ستصبح مبرمجة أما لمآلات الاحتقانات الطبيعية، أو للكيانات التي قد تجد فيها المحتوى المالي والفكري والأيديولوجي لوجودها الجديد، لذلك، ينبغي أن يظل المحتوى الوجودي للمكون الاجتماعي في الخليج بثنائيته «المالية والفكرية» لصالح الدولة وليس للجماعات والكيانات الداخلية والخارجية.

Read Previous

فرنسا لم تزل في مأزق – فيليب مارلييه

Read Next

لم يعد على ضفاف البحيرة سوى هياكل خرسانية لمبانٍ كانت فنادق وبُنى تحتية سياحية.. الأنشطة البشرية والتغيّر المناخي يقضيان على بحيرة ساوة العراقية

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.