القدس.. والإسلاميون في العراق – حارث حسن

أصبح إحياء فعاليات يوم القدس الذي دعا إليه للمرة الأولى الإمام الخميني، طقساً سنوياً معتاداً في العراق تتبارى فيه القوى التي يعرفها العراقيون بـ”الولائية” على إظهار التزامها الطقوسي به، كانعكاس لسعيها إلى إضفاء طابعها الأيديولوجي في “الحيز العام”، وتأكيد ولائها لمقولات قائد الثورة الإسلامية، وهو تأكيد ينطوي على مغزاه السياسي في نسيج علاقات القوة في العراق اليوم.

وقال رئيس تحالف “الفتح” المقرب من “الحرس الثوري” الإيراني هادي العامري يوم 27 نيسان (أبريل) إنه يرى “بشائر التحرير للقدس العزيزة تنطلق من العراق، والكيان الصهيوني كيان زائل بوعد الله ورسوله”، بينما ذهب رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، والذي أخذ منذ سنوات يتماهى أكثر مع المعسكر الولائي الى حد تسليم بعض فصائله مقدرات الأمن ومفاصله الحساسة في البلد خلال عام من ترؤسه الحكومة، الى أن خسارة القدس تعني خسارة “بغداد وأربيل والبصرة وإيران”.

وفي السياق نفسه، زعمت جيوش الكترونية تابعة للقوى “الولائية” أنها قامت بهجوم سيبراني – هو الأول من العراق – استهدف مؤسسات إعلامية إسرائيلية. وأمام هذا التسابق “الولائي” في إظهار الالتزام تجاه ما اتفق كل من زعيم “حركة النجباء” المقربة من إيران ونظام “البعث” الذي حكم العراق سابقاً على أنه “القضية المركزية”، ذهب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي تتهمه آلة الدعاية الولائية بالانحراف عن مبادئ “محور المقاومة”، الى تبني الدعوة الى استصدار تشريع برلماني يجرم التطبيع مع إسرائيل.

قد تبدو هذه المواقف مناسَبة للثناء، إذ إنها تعكس التزاماً بقضية “عربية وإسلامية” هناك اتفاق مجتمعي وثقافي عليها، ولكن فك شيفرة الخطاب السياسي وعلاقته بالسلطة، وقياس هذه المواقف بنظيرتها التي كان نظام صدام وآلته الإعلامية يُعبّران عنها، سيخبرنا بقصة أخرى. وهذه القصة ليست بالجديدة، فطوال عقود احتلت القدس وفلسطين موقعاً مهماً في خطاب معظم القوى التسلطية والأنظمة المستبدة في المنطقة، بوصفها منطقة ارتياح أخلاقي وشعاراً شعبوياً غير مكلف، وانعكاساً لثقافة سياسية غير نقدية تشكلها مقولات منحازة وسطحية ومتقادمة.

فبداية، لا يبدو التضامن الذي تظهره هذه الجماعات تجاه القدس وفلسطين مستنداً الى أبعاد حقوقية وإنسانية واستجابة لنضالات الفلسطينيين ضد نظام تشبه بعض ممارساته نظام الأبارتايد، بل هو مرتبط بمقولات دينية وأيديولوجية (لا تختلف كثيراً عن تلك التي استخدمتها بعض القوى اليهودية لتبرير العودة الى “أرض الميعاد”)، ودليل ذلك هو أن بعض تلك الجماعات اشتركت بقمع الكثير من السوريين وسحقهم، من دون أن تسأل نفسها حول مشروعية التحالف مع “النظام البعثي” ضد معظم السوريين، بل وشرعنت اشتراكها في المذبحة السورية بالدفاع عن “المقدسات” الشيعية هناك. كما أن مركزة “القدس” بدلالاتها الدينية في خطاب تلك الجماعات، على حساب قضية الفلسطينيين أنفسهم، تعكس بدورها الطابع الديني التعصبي الذي يشكل موقفها، خصوصاً إن تذكرنا أن تلك الجماعات ناصبت الفلسطينيين في العراق عداءً شديداً بعد 2003 وقامت بتهجير الآلاف منهم بحجة ولائهم لنظام “البعث” الصدامي والجماعات السلفية التكفيرية. إن التزام تلك الجماعات بالقدس تحركه نوازع الكراهية الدينية والتعصب الهوياتي، وليس المنطلقات الحقوقية والإنسانية، وبالتالي فإنه – إسوة بانتصار نظام صدام للقدس وفلسطين – لا ينطلق من موقف أخلاقي أو حسّ بالعدالة والكرامة كقيم حداثية يفترض أن تشكل السوية الأخلاقية في عالم ما بعد الحروب الدينية والقبلية.

مع ذلك، لا بد من أن نلحظ أنه حتى في هذه الحالة يخضع “الديني” الى “السياسي” وليس العكس، فلو قبلنا بمشروعية “العصبية الدينية” كمحفز للتضامن، فإن تلك العصبية توظَف انتقائياً وبما ينسجم بشكل خاص مع الحاجات البراغماتية والمصلحية للدولة الإيرانية، التي مثلاً لا تظهر أي قدر من التضامن مع مسلمي الإيغور في الصين الذين يتعرضون لقدر من التمييز والقمع يتجاوز بحسب معظم التقييمات ما يتعرض له الفلسطينيون اليوم. مع ذلك، فـ”محور المقاومة” والناطقون باسمه في العراق متشبثون بسردية الشراكة مع الصين، بل ويموضعونها في إطار مشروعهم العالمي لـ”المقاومة”.

الأمر الآخر، أن فلسطين والقدس تستخدمان هنا كشيفرات خطابية في سياق سياسي معين لعلاقات القوة، تستهدف تكريس وجود “معسكر المقاومة” وسلطته من حيث جعل لغته سائدة وحاضرة في “الحيز العام”، والاستمرار ببناء مشروعية بديلة وموازية للمشروعية الدستورية والقانونية، لتبرر وجود الدولة الموازية، تلك التي تحركها العصبية لا المواطنة، الايديولوجيا لا السياق القانوني، الاندفاع الى الخارج لا التفاهم مع الداخل.

لا يمكن لعراقي عاش الحقبة “البعثية” إلا وأن يرى المشتركات بين النهج “الاسلامي” والنهج “البعثي”، من حيث ضيق كلّ منهما بفكرة العراق، واستدعائهما المستمر لمعارك “مصيرية” ذات طابع “أخروي” و”تأريخي”، لمنع بناء دولة “طبيعية” نظراً الى استثنائية هذه المعارك، وحاجتها الى تأجيل ما هو “دنيوي” و”ثانوي”، والتغاضي عن الاعتبارات المؤسساتية والقانونية لمصلحة قضية أكبر. وهذه “الاستثنائية” وحدها ما يسمح للفصائل الولائية بامتلاك جيوشها الخاصة المستقلة عن القيادة العسكرية الرسمية، ومعها ملحقات كاملة من هيئات قضائية (تحكم بقانونها الخاص) وسجونها وأجهزة التعبئة والتثقيف الخاصة بها.

في زمن “البعث”، هيمنت الدولة الموازية التي بناها الحزب على الدولة الرسمية وحولتها الى ملحق، لأن قضية “البعث” – بحسب سردية “المقاومة” الخاصة به – كانت أكبر من العراق ومن المهمة “المبتذلة” لإدارة المجتمع وتلبية احتياجاته، وباستغراقه بتلك السردية تخلى عن ما كان لديه من مشروع تحديثي ليغدو نظاماً فردياً، عائلياً، تتحكم به استئثنائية أخرى، هي استثنائية القائد.

واليوم، وفي ظل نظام من “الأبويات المتصارعة”، يحاول “الولائيون” ترصين دولتهم الموازية وصناعة شرعيتها الخاصة والعمل رويداً رويداً لإلحاق الدولة الرسمية بها. لا يزال هذا المشروع في بداياته، ويلقى نوعين من المقاومة، واحدة من الحراك الاحتجاجي (الذي عبّرت عنه انتفاضة تشرين) والمطالب بدولة “طبيعية” يحكمها القانون والمؤسسات بدل الميليشيات والمافيات، والثاني من “الأبويات” المنافسة التي تجد في المشروع الولائي خطراً على سلطتها وقوتها.

في النهاية، لا يمكن الجزم بأن الإسلاميين يقلدون “البعثيين”، لكن من الواضح أن الطرفين ينهلان من منهل واحد، فكلاهما نتاج ميراث الحركات الانتي-كولونيالية التي ظهرت منتصف القرن العشرين، وتأثرت بنهوض القوميات العالمثالثية والايديولوجيات الاشتراكية والفاشية، ومن مزيد من المركزة لمسألة الهوية الثقافية، وما فرّقهما هو التأسيس “البعثي” على الهوية القومية، في مقابل التأسيس الإسلامي على الهوية الدينية. وفي الحالتين، كان هنالك نكوص فكري وتردٍ من “البعثية” الى الصدّامية، ومن الإسلاموية الى “الولائية”، وهو نكوص يعكس اتجاهاً مطرداً نحو الانغلاق، وزعم احتكار الحقيقة ورفض الجدل، والاتجاه الى التعصب والعنف المفرط. وقد يشبه هذا المسار مسار السلفيين الجهاديين، من بن لادن الى أبو بكر البغدادي، ليعكس تحولات مشابهة تهيمن فيها الأطراف الأكثر انغلاقاً وزعماً لـ”الطهرانية” على الأجنحة الأخرى، غالباً ليس لقوة الحجة، بل لاستعدادها لممارسة أكبر قدر من العنف الى جانب أكبر قدر من البراغماتية.

أن تصبح قضية عادلة مثل القضية الفسطينية أسيرة لتضامن هذا النوع من الجماعات، غالباً ما ينتهي الى الإضرار بعدالة تلك القضية وأخلاقيتها… ومن هنا، يجب العمل دائماً على الفرز بين القضية الفلسطينية التي تتمتع بعدالتها المستقلة، كقضية حقوقية وقانونية وإنسانية، وبين الكيفية التي يقارب فيها الدوغمائيون القوميون والدينيون هذه القضية، بوصفها امتداداً لفهمهم المتعصب للعالم ولنزوعهم الإقصائي وغير الإنساني، تجاه الشعوب التي ينتمون اليها بالدرجة الأولى.

Read Previous

المصريون شغوفون بزيارة الأضرحة رغم الجدال التاريخي

Read Next

الفكاهة والضحك.. لماذا نضحك؟ – د. كمال عبدالملك

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.