لن ننتصر على بوتين بمفردنا – دينيس روس

نبَّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الولايات المتحدة وأيقظها من سباتها هي وحلفاءها الأوربيون، وذكَّرنا جماعة بعدد من الحقائق مفادها أن للقوة الصلبة قيمتها، وأن بالإمكان تغيير الحدود بالقوة، وأن مساعي محو الأمم لم تصبح بعد في ذمة الماضي، وأن الصراع والمنافسة سوف يحدِّدان أفق المشهد الدولي في المستقبل المنظور، وأننا لكي ننجح في ردع الأول -أي الصراع والمنافسة- وصوغ الأخير -أي المشهد الدولي-، فإننا بحاجة إلى شركاء.

في حين جيَّش غزو روسيا وما صاحبه من فظائع؛ أغلب العالم الغربي، فإن بلادا كثيرة في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية باقية على الهامش. بل إن بوتين يحظى بدعم الصين وبلاد ـ مثل إيران ـ ليست لها مصالح في قبول المعايير التي يعتقد الغرب أنها يجب أن توجه السلوك الدولي.

وحتى مع استمرار بوتين في حربه ضد أوكرانيا، لا بد أن تبدأ الولايات المتحدة في التفكير في تأسيس تحالفات للفترة التالية لنهاية الحرب. فحينما يقرر بوتين إنهاء الحرب، لا يمكن أن نرجع بالأمور إلى ما درجت عليه قبلها.

وليس حشد بلاد أوروبا وآسيا الديمقراطية إلا البداية. كثيرا ما يتكلم الرئيس جو بايدن عن بلوغنا منعطفا في الصراع بين الديمقراطية والاستبداد. لكن لو أننا قسَّمنا العالم عبر هذين الخطين، فإننا نستبعد كثيرا من البلاد التي نحتاج إلى أن تكون جزءا من أي تحالف عالمي قادر على مجابهة جهود روسيا والصين لفرض قواعدهما على النظام الدولي. فليس بوسعنا أن نحتمل استبعاد هذه البلاد التي قد لا تكون ديمقراطية، لكنها أيضا ليست بالدول التعديلية [revisionist states، أي الدول المقاومة للوضع القائم والساعية إلى تعديله]. وفي الصراع ضد القوى العازمة على إيجاد وضع طبيعي جديد تصبح فيه السيادة للقوة، لا بد أن نكون قادرين على الانضمام إلى من يضيفون لنا قوة وأصولا.

وانظروا إلى الشرق الأوسط. لأن بايدن فهم أهمية أن يمنع بوتين من القدرة على تمويل حربه، فقد احتاج إلى العثور على بدائل للنفط الروسي، ليس فقط لتلبية الاحتياجات الأوروبية، ولكن أيضا لمحاولة تقليل الانفجار في تكاليف الطاقة. ولكن جهود الإدارة لحمل المملكة العربية السعودية ـ وهي البلد الوحيد الذي يحظي بقدرة إنتاج احتياطية كبيرة ـ على ضخ المزيد من النفط منيت بالفشل. ولعل عددا من العوامل هي التي حدت بالسعوديين إلى الرفض، ولكن مثلما قال لي أحد كبار المسؤولين الأمريكيين أخيرا «أنتم في أمريكا تسارعون إلى مطالبتنا بالاستجابة حينما تريدون شيئا بينما لا تستجيبون لنا حينما نناديكم» (وقد تحدث معي مشترطا عدم الإفصاح عن هويته حتى يتمكن من عرض تقييم أمين للموقف). ومضى حتى قال إن السعوديين في الماضي كانوا يحاولون الاستجابة لمطالبنا لأنهم كانوا يرون الولايات المتحدة «صديقا يمكن الاعتماد عليه» عند تعرض أمنهم لتهديد. وبعد تعرضهم مرارا لضربات الحوثيين وطائراتهم المسيرة وصواريخهم ومقذوفاتهم، ورأونا مترددين في المنطقة وفي الاستجابة، ما عادوا يشعرون بمثل ما كانوا يشعرون به في السابق.

من وجهة النظر الأمريكية، كان ثمة عوامل أخرى فاعلة في هذا الصدد أدت بصورة منطقية إلى توليد انتقادات من الحزبين للمملكة، وأفضت إلى قرار إدارة بايدن بـ«إعادة ضبط» العلاقات الأمريكية مع السعودية. ولكن حرب بوتين أعادت واقع احتياجاتنا إلى البؤرة. والواقع هو أن السعودية مهمة استراتيجيا للمنافسة مع روسيا والصين.

ثمة حاجة حاليا إلى النفط السعودي، وعلى مدار العقدين القادمين مع سعي العالم إلى الانتقال من الوقود الحفري إلى مصادر الطاقة المتجددة. والسعودية من دول الشرق الأوسط الساعية إلى إقامة مجتمعات حديثة قوية ومواجهة إيران الرامية إلى إدامة صراعات المنطقة بهدف استغلاها. وليس دعم طهران لروسيا من قبيل المصادفة. فإيران قوة تعديلية رامية إلى السيطرة على الشرق الأوسط، وتعرض طريقا من التقشف المفروض من أجل خاطر أيديولوجية مقاومة ضيقة الأفق عديمة التسامح. وما يطلق عليه الإيرانيون «محور المقاومة» هو في حقيقته محور للبؤس.

إن إدامة الشرق الأوسط منطقةً تشكلها الصراعات أمر قد يخدم مصالح روسيا وإيران، لكنه لا يخدم مصالحنا. ومن حسن الحظ! أن هناك تحالفا متناميا يضم السعوديين والإماراتيين والمصريين والأردنيين والمغاربة والبحرينيين والإسرائيليين وأنه يتعاون بالفعل لمجابهة الخطط الإيرانية للمنطقة. وتوفر القيادة المركزية الأمريكية كلا من آلية دعم احتياجاتهم الأمنية ومظلة يمكنهم تحتها دمج معلوماتهم الاستخباراتية وجهود مكافحاتهم للإرهاب ونظم الإنذار المبكر السيبرانية والأنشطة الدفاعية للطائرات المسيرة، بما يجعلهم مجتمعين أكثر أمنا من أ يكون كل منهم بمفرده. وكلما ازددنا تشجيعا لنوعية التعاون الاقتصادي والتجاري الذي تؤسسه حاليا إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، قويت القاعدة لسلام إقليمي سوف نوجده، وازددنا ترسيخا لتحالف قوي داعم لقواعد اللعبة التي نسعى إليها دوليا.

هل يعني هذا أنه لزام علينا أن نتنازل عن مخاوفنا المتعلقة بحقوق الإنسان وأن ندير ظهرنا لقيمنا؟ لا، لكنه يعني أننا سوف نفعل ما كنا نفعله دائما: نزن أولوياتنا ونحاول الموازنة بين قيمنا ومصالحنا. لا بد أن نمنع قواعد بوتين ـ التي تفرض بموجبها الدول الأقوى ما تريده على جيرانها الأضعف وتصبح الشعوب المدنية أهدافا محتملة ـ من تحديد مستقبلنا الدولي الجمعي. نحن بحاجة إلى إقامة تحالف عريض من الدول المشتركة في هدف واحد ـ هدف يعكس قيمنا، وليس مصالحنا وحسب.

—————————————————————–

سياسي أمريكي عمل سابقا مساعدا خاصا للرئيس باراك أوباما

وهو حاليا مستشار وزميل وليم ديفدس المتميز في معهد واشنطن

Read Previous

آثار حرب أوكرانيا على أوروبا – يوشكا فيشر

Read Next

مسؤول روسي: سندمر دول الناتو في 30 دقيقة في حرب نووية محتملة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.