مركز الدراسات الحضارية.. تتويج للعمل الثقافي بسلطنة عمان

كتب: خميس العدوي

العمل الثقافي.. هو عمل في العقل الاجتماعي، فلا يوجد اجتماع منتظم قابل للبقاء والتطور دون أن تكون الثقافة وراءه، تبتدع له تفكيره، وتنتج له مدنيته، وتنظّم له علاقاته، وهي في الوقت نفسه ابنة الاجتماع، فالإنسان بمفرده لا ينتج ثقافة. والثقافة.. كبقية المنظومات الاجتماعية؛ بدأت بسيطة؛ بكونها عملاً فرضته الحاجة قبل الوعي بوجودها. ثم صارت جزءًا من علوم تهيمن على الساحة المعرفية، مثلما كان علم التاريخ؛ تنضوي تحته الأسطورة والحضارة والأنثروبولوجيا والاجتماع، حتى شبت عن طوقه؛ واتخذت لنفسها طريقًا سربًا في المعرفة. وهكذا كانت الثقافة متوزعة بين الفلسفة والدين والتاريخ والأدب والفن، فكان الفيلسوف ورجل الدين والمؤرخ والأديب هم مثقفي عصورهم، حتى تبلور للثقافة مشروعها الخاص بها.

الثقافة.. بدأت استقلالها في أوروبا خلال عصر التنوير؛ وهو عصر اتسم بأربع سمات: الانفكاك من طوق الخرافة، والتخلص من هيمنة الكنيسة، وكسر قيد الاستبداد بإزميل الحرية، وتنظيم الحياة بدولة المؤسسات والقانون. واستجابة للمعطيات الكبرى التي أفرزها هذا العصر؛ شرع اللاهوتيون المستنيرون في تنظيم معرفتهم الدينية وتقديمها بقالب يتناسب مع عصرهم. هذا اللون المستحدث من معرفة التنوير الدينية؛ التي عملت على المواءمة بين النص والتقليد الديني والمستجدات المعرفية في التخلص من الخرافة والعمل خارج تقاليد الكنيسة، والاحتفاء بالحرية؛ وما لحقها من قيم العلمانية كتقدير الحياة بالجمال مثل: الشعر والرسم والفن والموسيقى والمسرح، وجد عناية من الفلاسفة والمفكرين؛ فأوجدوا له اسمًا خاصًا به هو «الثقافة»، والذي اشتق في اللغات اللاتينية من «الزراعة». فالثقافة.. هي تهذيب لذوق المجتمع واستزراع لقيم الجمال وتنمية للآداب والمعارف الراقية فيه.

وجد مشرّع الدولة القومية في الثقافة هيكلًا صلبًا ليجمع به شتات هذه المعارف خارج نظام الدولة القديمة؛ فجعل وظيفتها توحيد الطبقة العليا للمجتمع المعرفي، كالأدباء والشعراء والفلاسفة والأكاديميين والكُتّاب والموسيقيين والفنانين، وقد خصتهم الدولة بالعناية بكونهم الذراع الذي تتحرك به بين شعوبها، فأنشأت لها المؤسسات والوزارات والنوادي والاتحادات لكي تضبط حركة الاجتماع فكريًا. كما أنه عبر سفنها الاستعمارية تمكنت من نشر ثقافتها عالميًا. وبالثقافة كذلك استطاعت الدولة أن تواجه المعتقدات التي تهددها، فاتخذت منها سدًا منيعًا ضد العنصرية المتعصبة والاشتراكية الشمولية، خلال القرن العشرين الميلادي.

وفي ظل تطور النظرية الليبرالية وتحت ضغط مطالب الحرية والمُلْكية الفردية وتحرير السوق؛ تحولت الثقافة من حالتها الصلبة إلى حالة سائلة، إلا أن الليبرالية فرضت ثقافتها الجديدة هذه على العالم من خلال حقوق الإنسان والمواثيق الدولية في الأمم المتحدة، في هذه المرحلة كانت مؤسسات المجتمع المدني جسرًا بين الدولة والشعب، وظلت هذه المؤسسات محكومة بالقانون لكيلا تخرج عن النظام العام للدولة.

ولما حلّ العصر الرقمي ببرقه المشظّي للمعرفة؛ هدّد المنظومات القديمة بالزوال ما لم تجدد من أنظمتها الداخلية وتعاملها الخارجي، وبما أن الثقافة هي ابنة المعرفة فقد أصابها شعاع نافذ، أرغمها على التحول من سيولتها المتحكم بها من الدولة بقنوات القانون إلى «مادة أثيرية»؛ لا تضع الجمال والتناسق معيارًا لتقييم العمل الثقافي، وإنما الربح والوصول إلى أكبر قدر من المستهلكين في العالم هما المتحكمان في نوع الثقافة، وبعد تحققه سرعان ما يتبخر ليحل محله نوع ثقافي جديد. لقد تفككت يد الدولة كثيرًا عن العمل الثقافي، وأدركت بعض الدول أن الهيمنة الثقافية على الاجتماع لن تكون بإعادة الثقافة إلى سيولتها فضلًا عن صلابتها، وإنما بامتلاك القدرة على الاستفادة من تشظيها، وذلك.. بإنتاج عناصر ثقافية منوعة قادرة على عبور حدود الدول إلى قلوب الناس وجيوبهم، فتكون الهيمنة على الاجتماع عبر بوابة الاستهلاك المعولم.

إن وراء هذه التحولات الكبرى مراكز بحث ورصد وتحليل للعناصر الثقافية بأبعادها الحضارية ومنظوماتها المعرفية ومؤسساتها الإدارية، لم تتطور الثقافة في الدول الرائدة عالميًا؛ خارج الوعي بهذا التطور المتسارع ومؤثراته المبهرة ومآلاته المذهلة الذي تقوم به هذه المراكز، وبذلك.. تصدّرت ثقافتها المجتمعات الإنسانية. أما الدول التي أهملت إنشاء المؤسسات الثقافية ومراكز البحث الحضاري؛ فقد ظلت صدى خجولًا لمنتجات غيرها.

أستطيع القول.. إن الثقافة مرّت بأربع مراحل كبرى: التأسيس؛ كانت الثقافة فيها تبحث عن مفهومها واختصاصها. ثم الصلبة؛ لجأت الدولة فيها إلى تكوين قوميتها من خلال العمل الثقافي. ثم السيولة؛ حيث واكبت الدولة النظرية الليبرالية، فكانت الثقافة جسرًا بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، وأخيراً.. التشظي؛ أصبحت الثقافة بيد من يملك التقنية الرقمية. ولمزيد من الفهم للتحولات الثقافية يمكن الرجوع إلى كتاب «الثقافة السائلة» لزيجمونت باومان.

لنأتِ إلى وضعنا العماني، وكيف تطور العمل الثقافي في الدولة الحديثة، قبل عام 1970م لا يمكن الحديث عن حالة ثقافية، فالوضع أشبه بما قبل ميلاد مفهوم الثقافة، فالأدب والتاريخ وعلوم الدين بدون إطار ثقافي محدد. ومع بداية الدولة الحديثة جاءت العناية بالثقافة، فأنشئت وزارة الإعلام والثقافة في عام 1974م، حينها لم تبدأ بعد الخطط الخمسية، والثقافة.. كغيرها في مرحلة التأسيس لم تتبنَ رؤية محددة، فالدولة.. لا زالت تكتشف ذاتها، وتعالج قضاياها العليا، كمواجهة التيارات الفكرية الدخيلة مثل: الاشتراكية والقومية، ووضع البنية الأساسية لمؤسسات المجتمع والحكومة. لتبدأ المرحلة الصلبة من العمل الثقافي عام 1979م بتأسيس وزارة التراث القومي والثقافة، حيث ربطت بالتراث؛ الذي يحمل الصبغة القومية. حتى دخلت الدولة في التعددية الفكرية، وأعلن السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- عنها عام 2000م من على منبر جامعة السلطان قابوس، وفي عام 2002م تغيّر اسم الوزارة إلى وزارة التراث والثقافة، لتصبح الثقافة أكثر مرونة من قبل، وأمْيَل إلى الحالة السائلة.

خلال نصف قرن في عمر الدولة.. أنشئ العديد من المؤسسات الثقافية كمركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، والمنتدى الأدبي، والنادي الثقافي، والجمعية العمانية للكُتّاب والأدباء، والمكتبات، والمراكز الثقافية، والأوبرا، إلا أنه لم تنشأ مراكز للدراسات الثقافية. والآن وسلطنة عمان تمرّ بمرحلة التجدد، والثقافة تشهد مرحلة التشظي تحت مطارق العولمة الرقمية، فإن وزارة الثقافة والرياضة والشباب اتخذت قرارها الواعي بمتطلبات المرحلة؛ فأنشأت مركزًا للدراسات الحضارية.

عام 2015م.. تقدمتُ بفكرة تطوير المنتدى الأدبي، وذلك بتحويله إلى «بيت خبرة» للثقافة العمانية، بحيث يركّز عمله على الدراسات البحثية، متجاوزًا تكرار الأعمال التي تقع فيها عادة المؤسسات الثقافية، لكن الظروف التي تمرّ بها سلطنة عمان حينها حالت دون تحقق المراد. وما أن أعيدت هيكلة الجهاز الإداري للدولة عام 2020م، حتى وضعنا هيكلة لمركز الدراسات الحضارية بما يواكب «رؤية عمان 2040»، وقد تمت الموافقة عليها، وصدر قرار إنشاء المركز مع هيكلة الوزارة الجديدة «وزارة الثقافة والرياضة والشباب». لقد حمل اسم المركز البُعد الحضاري لتفصح الثقافة عن جذرها العميق في عمان، فهي تشكّل بُنية حضارية ممتدة إلى آلاف السنين، وليهتم المركز كذلك بالإنتاج المعرفي؛ متجاوزًا الأعمال الإجرائية للثقافة، والتي أسندت إلى دوائر أخرى بالوزارة.

إن الحديث عن رسالة المركز واختصاصاته، والرؤية التي يصبو إلى تحقيقها، والآمال المعقودة عليه؛ يحتاج إلى مقال بنفسه. ويوجب الحال هنا.. رفع عظيم الشكر إلى المقام السامي لمولاي صاحب جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله وأدام مجده، على رعايته الجليلة للمركز، منذ أن كان فكرة تراود حلمنا، ولا يزال يلحظه بعين التسديد. والشكر موصول لصاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم، الذي ينال المركز منه التوجيه والتعزيز والمتابعة، ولسعادة السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي الذي يشرف عليه؛ ويسهم باتخاذ القرارات العملية في بنائه الإداري وترسيخ تقاليده العلمية.

Read Previous

تحسين جودة التعليم في آسيا في مرحلة ما بعد كوفيد

Read Next

شجاعة لافروف.. وكذبة بينت! – رجا طلب

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.