العراق: العمليّة السياسيّة والعمليّة الديموقراطية ضدّان لا يلتقيان – عقيل عباس

في المبادرة الأخيرة التي أعلنها الإطار التنسيقي لحل أزمة الانسداد السياسي العراقي الحالي، من خلال العودة إلى منظومة التوافق والتحاصص المكوّناتي التي ثبت فشلها منذ تبنيها في 2005، ثمة عبارة لافتة فيها لتبرير إطلاق المبادرة الداعية إلى جلوس الأطراف المختلفين حول طاولة الحوار.

وردت العبارة في مستهل النقطة الأولى من المبادرة “مراعاةً للمدد الدستورية وحفاظاً على سير العملية الديموقراطية…”. في العادة يستخدم الساسة العراقيون مصطلح “العملية السياسية”، بوصفها الحقيقة المركزية التي ينبغي حمايتها والدفاع عنها، وهو ما يرد أيضاً في مبادرة الإطار التي أشارت في نقطتها الخامسة في سياق الحث على إعمار المناطق المحررة، وحل مشكلات النازحين إلى “العمل على كل ما يعزز الثقة بالعملية السياسية من خلال حكومة راعية للجميع”.

العملية الديموقراطية والعملية السياسية ضدان لا يلتقيان، إلا في النظام السياسي العراقي المشوّه. فالعملية الديموقراطية تشير إلى الاستقرار وسيادة المؤسسات، فيما العملية السياسية تشير إلى الاضطراب والانتقال في إطار لحظة استثنائية.

يعود جذر العملية السياسية إلى إشارة وردت في قرار مجلس الأمن الدولي بخصوص العراق المرقم 1483 في أيار (مايو) 2003، بعد ستة أسابيع تقريباً من إطاحة القوات الأميركية نظام صدام. كان هذا القرار ممتازاً، إذ أنهى العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على البلد نحو 13 عاماً منذ غزو الكويت في صيف 1990، وتناول الجهود التي يحتاج المجتمع الدولي القيام بها لمساعدة العراق للنهوض اقتصادياً وسياسياً ومؤسساتياً.

لكن في العراق، اختزلت آلة الدعاية الحزبية والسياسية وسوء الفهم الشعبي هذا القرار بأنه شَرعنة دولية للاحتلال الأميركي!! في حقيقته، منح القرار الولايات المتحدة الأميركية سلطات تشريعية وتنفيذية كاملة لإدارة العراق على نحو موقت وتحت رقابة أممية، تمهيداً لنقل السلطة إلى العراقيين.

في فقرته الثامنة المتعلقة بتعيين مبعوث دولي للعراق لتنسيق الجهود وتقديم التقارير، وردت الجملة التالية لوصف مهام هذا المبعوث: “العمل بصورة مكثفة مع السلطة ومع شعب العراق، والجهات المعنية الأخرى لتعزيز الجهود المبذولة لاستعادة وإنشاء المؤسسات الوطنية والمحلية اللازمة للحكم الممثل الشعب، بما في ذلك العمل الجماعي من أجل تيسير العملية التي تفضي إلى قيام حكومة عراقية ممثلة للشعب معترف بها دولياً”.

المبعوث الذي عُيِّن هو الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، وكان عليه أن ينسق بين الأطراف العراقية المختلفة وسلطة الائتلاف الموقتة برئاسة الدبلوماسي الأميركي بول بريمر. أشارت إليها الفقرة بكلمة “السلطة” فحسب، وكانت الممثل الرسمي للاحتلال الأميركي الذي دام عاماً وشهراً واحداً قبل تسليم السلطة في حزيران (يونيو) 2004 إلى أول حكومة عراقية بعد سقوط نظام صدام، حكومة إياد علاوي.

كانت مهمة الإبراهيمي، كما أشارت الفقرة، هي تيسير العملية التي تفضي إلى إنشاء حكومة عراقية منتخبة ومعترف بها دولياً. تلك كانت العملية السياسية التي قادها الإبراهيمي وتضمّنت تنظيم جولتين انتخابيتين، وتشكيل مؤسسات وكتابة مسودة دستور والتصويت عليها في استفتاء عام، وصولاً إلى ىتشكيل تلك الحكومة المنتخبة والمعترف بها دولياً، الحكومة الأولى التي قادها نوري المالكي في أيار 2006، وعُرفت باسم حكومة الوحدة الوطنية. في تلك اللحظة انتهت العملية السياسية بحسب التعريف الدولي والمنهجي لها: الانتقال من حكم قمعي دكتاتوري إلى آخر وطني ومنتخب، مروراً بحكم أجنبي وسيط هيأ السبيل لهذا الانتقال بمساعدة ودعم دوليين.

يمثل إنشاء حكومة الوحدة الوطنية حينها البدء بالعملية الديموقراطية، حيث يُفترض أن تتولى المؤسسات العراقية الدستورية والمنتخبة تنظيم شؤون البلاد بعد اكتمال الأركان الأساسية للدولة الجديدة. تشير العملية السياسية إلى السعي المؤسساتي والسياسي لحل الأزمة وهيمنة القلق والترقب في إطار انتقال غير مؤكد، فيما تشير العملية الديموقراطية إلى نهاية هذا الانتقال بنجاح، وتشكيل المؤسسات المستقرة التي تقود البلاد.

لكن الذي حصل على الأرض كان شيئاً آخر مختلفاً تماماً. انتهت مهمة الإبراهيمي بنهاية العملية السياسية الانتقالية التي أشرف عليها نيابةً عن الأمم المتحدة، لكن العملية السياسية الحزبية بقيت تتمدد في العراق وتهيمن على كل شيء فيه: حس دائم بالأزمة وصراعات مستمرة تُحسم عبر صفقات خارج المؤسسات وقوانينها، ثم تُكيف هذه الأخيرة كي تنسجم مع الصفقات في إطار هيمنة العملية السياسية على العملية الديموقراطية واشتراطاتها وأعرافها. في ظل هذه الهيمنة، تمدد نفوذ الأحزاب في كل مؤسسات الدولة، وتقاسمت مواردها لتصبح الدولة في آخر المطاف خادمةً لمصالح الأحزاب لا لمصالح المجتمع، أي بالعكس تماماً لما تقوم عليه أي عملية ديموقراطية: تمثيل أمين لإرادة المجتمع ومصالحه عبر الدولة ومؤسساتها.

العملية الديموقراطية غائبة في سلوك وتفكير الأحزاب التقليدية التي قادت البلد وتحاصصت في الدولة منذ 2005. يكفي النظر في مبادرة الإطار التنسيقي الأخيرة كي يظهر عجز الأحزاب المنضوية في الإطار عن فهم معنى الديموقراطية، حتى بشكلها الأولي المرتبط بالتمثيل السياسي. البديهة الأولى في الديموقراطية هي أن شرعية الأحزاب في الحكم وثقلها فيه، أو ذهابها نحو المعارضة، ترتبط بحجم ناخبيها. باختصار، الأحزاب تمثل ناخبيها، وعندما تفوز بالانتخابات وتقود الدولة تمثل مصالح كامل المجتمع، سواء الذين انتخبوها أم الذين لم ينتخبوها. يلتف الإطار التنسيقي، كما تفعل كل أحزاب الإسلام السياسي الشيعي والأحزاب القومية الكردية منذ 2005 على حقيقة التمثيل الانتخابي، من خلال ادعاء التمثيل المكوّناتي ليصبح هو، مع التيار الصدري، ممثلين للشيعة!!! لكن غالبية الشيعة لم يصوّتوا لا للتيار ولا للإطار، بل قاطعوا الانتخابات، فكيف يمكن لأي حزب أو تحالف ادعاء تمثيل أناس لم ينتخبوه؟!

تحفل مبادرة الإطار بالقيم التي تناقض الديموقراطية، ومن ضمنها الحديث عن المكوّن الأكبر ومراعاة حق الأكثرية وسواها من التشويهات العميقة للديموقراطية التي يُراد تطبيع المجتمع عليها، ومن بينها “حقه” في المشاركة في تشكيل الكتلة الأكثر عدداً التي تؤلف الحكومة. فبحسب المبادرة الإطارية “يجب الحفاظ على حق المكوّن الأكبر مجتمعياً من خلال كتل المكوّن الأكبر لتكوين الكتلة الأكثر عدداً”. الحقوق تنص عليها القوانين والدساتير، فمن أين جاء حق “المكوّن الأكبر” في القانون أو الدستور العراقيين؟ التنافس الانتخابي، وليس الانتماء المذهبي أو العرقي، هو الذي يحسم هذه الأشياء في أي نظام ديموقراطي. في هذا النظام، الانتخابات ونتائجها هي النهاية الحاسمة والدورية (كل أربع أو خمس سنوات) لأسئلة ونزاعات التمثيل السياسي. بهذا المعنى، هي قيمة تعريفية وأساسية وكل شيء بخصوص التمثيل السياسي يدور حولها ويكون نتيجةً لها، لكن في لغة المبادرة الإطارية تصبح الانتخابات ونتائجها نسبية، بل ثانوية مقابل قيم أخلاقية وسياسية وحزبية عمومية ومطاطة يفسرها كل طرف بحسب مصلحته.

تشير النقطة السادسة من المبادرة مثلاً إلى ضرورة “الابتعاد عن سياسة كسر الإرادات وإبداء المرونة وتقديم التنازلات المتبادلة، من أجل الالتقاء عند المشتركات الوطنية والسياسية مع مراعاة الأوزان الانتخابية”. هنا تصبح دعاوى المرونة والتحذير من كسر الإرادات، وتقديم التنازلات المتبادلة والمشتركات الوطنية والسياسية هي الأساسية، فيما نتائج الانتخابات ثانوية تقريباً من خلال “مراعاة الأوزان الانتخابية”!! في النظام الديموقراطي الذي تدّعي مبادرة الإطار أنها تدافع عنه، نتائج الانتخابات هي التي تحدد المشتركات الوطنية والسياسية للمجتمع وهي المعبر عن إرادته. لذلك يعتبر ضرورياً في سياق أي عملية ديموقراطية، اتّباع نتيجة الانتخابات كمعيار وحيد لحسم الخلافات، وليس مجرد “مراعاتها”.

تنتمي لغة مبادرة الإطار إلى الثقافة الكارثية التي جاءت بها العملية السياسية: لغة الصفقات والتفاهمات والمكوّنات المعنية بمصالح الأحزاب وليس مصالح المجتمع. لا تمثل المبادرة مخرجاً من الأزمة الحالية، بل هي تكريس لأزمات سابقة ومحاولة أخرى لتطبيع المجتمع على القيم المكوّناتية والمحاصصاتية التي قوّضت التجربة الديموقراطية في العراق وقادته إلى مأزقه الحالي.

Read Previous

عقبات في الطريق.. هل تعرقل حوار السودان المرتقب

Read Next

النَّومُ المُريح في الزَّمنِ القَبيح!! – حيدر محمود

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.