اليمن… نحو استعادة الدّولة – عزالدين الأصبحي

 انتهى العيد وكل مظاهره، وليس أجمل من تعبير أبي الطيب المتنبي الذي ربما نتخيله على كل لسان حولنا وفي كل بلد: عيدٌ بِأَيةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ… بِما مَضى أَم بأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ… فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ!

ولكن بالنسبة إلى اليمنيين، فالأمر مختلف، وأحكي هنا عن مشهد أول أيام العيد في عدن، مدينة اليمنيين الفاتنة التي شكلت لكل أطيافهم بوتقة وطنية حقيقية، ونافذتهم على العصر والحضارة دوماً.

الصورة التي لم يطالعها العالم حتماً بشغف اليمنيين، وشكلت عندهم حالة أمل جديدة، هي عودة كل سلطات الدولة اليمنية الشرعية، وممثلي القوى السياسية في صلاة العيد. تلك صورة عند العالم كله روتينية لا معنى لها، لكنها عند اليمنيين ذات إشارة أعمق من مجرد تأدية فريضة واجبة. فهي تعني بدء لمّ شتات طال لثمانية أعوام، والناس التي تاقت للسلام ووقف الحروب، تتوق لعودة الدولة والنظام أكثر من أي شيء آخر. لهذا تفرح بكل خطوة على الأرض تراها ولو كانت تجمعاً للقيادة السياسية لتصلي العيد مع جموع الناس في عاصمتهم. الأمر أعاد للناس إحياء الأمل بعودة الدولة، وهي الخطوة الأهم لاستعادة الحياة، وتحقيق أي سلام منشود.

للذين عرفوا أو عاشوا للحظات حروباً طاحنة وذاقوا مرارة معنى الانفلات الأمني، وغياب مؤسسات الدولة، وتحكم ميليشيات الحرب. سيعرفون ما أقصده ومعنى توق الناس لعودة الدولة، بخاصة مع إتمام سبع سنوات عجاف من حرب مدمرة ودخول العام الثامن في نفق لا آخر له.

وقد خبر اليمنيون مرارة الشتات طويلاً منذ الآية الكريمة حول تفرق أيادي سبأ، حيث جاءت قصة سبأ مرويةً على لسان ربّ العزة في كتابه الكريم وفي سورةٍ خاصةٍ باسم هذه الأمة سورة سبأ (..وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ). إلا أنهم الشعب الموصوف بالصبر والحكمة والأكثر قدرة على عودة روحه وتلاحمه.

ولن أفرط في التفاؤل في سقف الهدنة التي أعلنتها الأمم المتحدة مطلع نيسان (أبريل) الماضي، وقالت إنها لمدة شهرين، ومضى أكثر من نصفها الآن بخروق لا تُحصى، وصارت في مهب الريح وتحت رحمة مزاج الميليشيا المنفلت، ولكن قوة صمود أي هدنة نراها فقط في سقف الأمل الذي رفعه اليمنيون أنفسهم، فالشعب يريد السلام وإنهاء الحرب، وميليشيات التمرد وتجار الحروب يقتلهم السلام، لذا تعمل الميليشيا جاهدة لقتل كل بارقة أمل نحو آفاق الحل السلمي واستعادة مؤسسات الدولة وخلق الاستقرار، كون عودة مؤسسات الدولة تمهد لمسار أي سلام منشود.

وتبقى الخطوة الأهم التي يعرفها الناس بحدسهم وبحكم معاناتهم وخبرة واقعهم المرير، أن خطوة لمّ شمل صف القوى الوطنية وإعادة عدن عاصمة تفتح نوافذ الأمان والتواصل الحضاري هما الخطوة الأبرز لكل مشروع نحو السلام، وتلك أكبر معارك الانتصار للوطن. ومنذ عودة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والبرلمان إلى عدن الشهر المنصرم والرهان على تحقيق السلام يرتفع، ليس في قهر ميليشيات الحوثي عسكرياً، ولكن بتثبيت نموذج الدولة الذي سيصنع النصر والسلام.

خطاب الشارع اليمني البسيط فيه (حكمة اليمانيين) التي غابت عن الكثيرين من القادة والمؤسسات الدولية، وهو أن عودة الدولة ومؤسساتها، وبقاء ممثلي الأمة من برلمانيين في وسط دوائرهم يمدّون جسور التواصل هما المطلوبان لوقف حرب يبدو أن لا آخر لها، بينما نهايتها واضحة بخطوة لا ثانية لها، وهي أن تعود الدولة ومؤسساتها الديموقراطية وجيشها الواحد أولاً، ثم ما تبقى تفاصيل لأزمة ستنتهي بالكثير من العمل. لذا فالحل يبدأ من هنا، من استعادة مؤسسات الدولة، وخلق استقرار يقود إلى سلام حقيقي. والهدنة الموقتة تفتح الطريق لبدء مسار السلام، وهو مسار شاق حتماً، فشجاعة السلام أصعب من قرارات الحرب.

ومواجهة التشظي ولملمة الصف هما التحدي الأكبر، والذي لا يتحقق إلا بيد أهله أولاً مهما يكن ضغط الخارج وإسهامه، وتلك شجاعة تفوق مواجهة السلاح وحمله. وما يلفت النظر أن المجتمع الدولي الذي أعلن الهدنة الإنسانية في الأول من نيسان المنصرم، لم يضع لها آلية للمراقبة بل تركها لليمنيين وضميرهم.

ورغم كل الخروق الواضحة التي يعلن عنها، فإن سقف الأمل عند اليمنيين لم ينخفض ليعكس رغبة جامحة في إنهاء كارثة حرب مدمرة، ولكن السلام لا يتحقق بمجرد الأمنيات، ولا يمكن تصدير الوهم للناس حتي لا تتضاعف خيبة الأمل القائمة، فالأمر بحاجة إرادة سياسية وطنية وإقليمية ودولية، وقوة تحفظ المسار وتحقق أمنية الشعب الذي ملّ الحرب وكره حكم الميليشيات، وتاق للدولة المدنية الضامنة للحقوق وصون الحريات.

معركتنا ليست قهر الانقلاب فقط، ولكن بناء اليمن واستعادة الدولة، وتلك تحتاج الانتصار في معركة بناء حقيقية تبدأ بوقف التدهور ووقف التشظي القائم.

Read Previous

بيان صادر عن الفعاليات الرسمية والشعبية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بمناسبة تسلم الملك والملكة جائزة الطريق إلى السلام

Read Next

ولا بالخيال.. ماركوس الابن يعود لحكم الفلبين بعد 35 سنة من الإطاحة بالأب وحكايات آلاف الأحذية

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.