رواية أنجلينا فتاة من النمسا – تخيّل أنه لا توجد دول.. ليس ذلك بالأمر العسير…

رواية أنجلينا فتاة من النمسا – تخيّل أنه لا توجد دول.. ليس ذلك بالأمر العسير…
مقتبسة من قصة واقعية

بقلم مولود بن زادي – أقلام مهاجرة حرة بريطانيا

“تخيّل أنه لا توجد دول.. ليس ذلك صعبا.. لا شيء تقتل أو تموت لأجله.. ولا دين..
وتخيّل أنّ كل البشر يحيون حياتهم في سلام..(جون لينون)

أثارت فكرة السفر إلى النمسا اهتمامه في وقت كان يشعر بحزن أنجلينا وألمها وحسرتها لرحيلها عن وطنها، وكان هو أيضا يشعر بالإحباط والاكتئاب وهو يتذكر رحلة كناري التي ظل طيفها الجميل يطارد خياله، ويحرق فؤاده.
كان الطقس في بريطانيا متقلبا في فصل الصيف وكانت أنجلينا تقول إنّ الجو أفضل في تلك البقعة من أوربا! فلمَ لا يصغي إليها ويسافر معها ويشاهد بعينيه؟! هكذا كان يفكر، وفي لحظة من اللحظات شعر برغبة جامحة مفاجئة في عطلة أخرى.. ولم لا تكون رحلة إلى النمسا، إلى مهد صبا أنجلينا، وفي هدوء مزرعتها، وبين أحضان أسرتها؟ كان واثقا أنه يستطيع أن يسافر معها، بيد أنه لم يكن واثقا من الفكرة الثانية المتمثلة في اقتراح الاستقرار معها في النمسا. الاستقرار في النمسا يتطلب حتما إتقان الألمانية. لن يكون في وسعه التواصل مع أفراد أسرتها والعالم من حوله والعمل والحياة في هذا البلد دون التمكن من هذه اللغة. كان صارت الألمانية تحديا كبيرا لابد له من مواجهته، فراح يجتهد أكثر من أي وقت مضى لتعلمها وإتقانها، وشرع فعلا في ذلك، لكنّ الطريق بدا شاقا منذ البداية.

مع اقتراب موعد السفر، شعر بمزيد من الإثارة والرغبة في تعلم هذه اللغة. اشترى عددا جديدا من مجلة (ديغ شبيغل) الألمانية في محل بيع صحف في محطة فيكتوريا بوسط لندن وراح يجتهد لقراءة المقالات مستعينا بالقاموس الألماني – الإنكليزي أحيانا، وحبيبته أحيانا أخرى. ومع مر الوقت طفق يحمل قاموس الجيب الألماني معه إلى أماكن العمل وحيثما ذهب، فتراه يتعلم في المحطات وعربات القطارات وغرف الانتظار الخاصة بالمترجمين في مكاتب الهجرة والمطارات والموانئ. وشعر برغبة متزايدة في الجلوس مع أنجلينا لمشاهدة أفلام ألمانية على الفضائيات الألمانية مثل (أر تي أل 2) و(فوكس) و(برو 7) لم يكن يهتم بمشاهدتها من قبل إلاَّ ليلا في بعض الأوقات بحثا عن أفلام الإثارة حيث كان يبحث عن الصورة ولا يهتم باللغة ولم يكن يفهم منها في كل الأحوال إلا القليل.
صار يشاهد كل البرامج، من أفلام ومسلسلات ورسوم متحركة وأشرطة وثائقية ونشرات الأخبار التي راحت تتحدث عن الحرب الأهلية في الجزائر بشكل متزايد مع تدهور الوضع الأمني في الجزائر مع مطلع العام الجديد 1997. وإذا باسم “الجزائر”، الذي سعى طويلا لحذفه من ذاكرته وطرده من حياته، يتردد في شتى وسائل الإعلام الألمانية والبريطانية والأجنبية الأخرى التي راحت تبث أبشع صور العنف والموت القادمة من هذا البلد الشمال إفريقي.

فها هو شبح الجزائر يتسلل خلفه ويلاحقه حتى أثناء سفره إلى النمسا رفقة أنجلينا أواخر شهر آب الذي تطلع إليه طويلا، وأراده أن يكون رحلة للراحة والمتعة لا تعكّر صفوها أخبار محزنة.
استقبله مطار فيينّا يوم الأحد 31 آب 1997 بنسخة ورقية لصحيفة (الواشنطن بوست) بتاريخ 30 آب، ملقاة على أحد المقاعد الشاغرة، يكون قد تركها أحد المسافرين الأمريكيين العابرين بهذا المطار. تصفحها شفيق أثناء الرحلة الداخلية من فيينّا إلى غراتس فاستقبلته بأنباء صادمة: “مئات القتلى في مجزرة بالقرب من الجزائر” كان عنوان المقال المثير للاشمئزاز والفزع، وجاء في مطلعه: “أكثر من ثلاثمائة شخص تعرضوا للذبح ليلة الخميس في المجزرة الأكثر إراقة للدماء خلال خمس سنوات من الحرب الأهلية بين الثوار الإسلاميين والحكومة العلمانية التي يدعمها الجيش.”

على وقع صدمة الخبر، حطت الطائرة في مطار غراتس حيث كان والدا أنجلينا في انتظارهما. وعلى وقع الصدمة، راحت السيارة تشق طريقها عبر الطريق السريع نحو الجنوب في يوم مشمس حار قليل السحب. انشغلت أنجلينا بالحديث مع والديها بلكنة ألمانية بدت مختلفة عن الألمانية المعهودة التي كان يسمعها في القنوات الألمانية. لم يكن آنذاك في مزاج للاستمتاع بهذه الرحلة. صورة هذه المجزرة المتماسكة التضاريس احتلت مكانا بارزا في وجدانه. شُلّ ذهنه، وانعقد لسانه، وخيَّمَت غيوم الأسى والغم في صدره بعد لسعة الخبر المؤلمة.
بعد نحو ساعة، غادرت السيارة الطريق السريع، وانحرفت يمينا، وأخذت في الصعود في منطقة جبلية عبر طريق ضيق يكاد يكون خاليا من السيارات في هذه المنطقة الريفية النائية. كان بيت والدي أنجلينا منزلا خشبيا كبيرا، شبيها بكل المنازل الريفية الخشبية الأنيقة المتباعدة المنتشرة في هذه المنطقة الجبلية. أخذت أنجلينا شفيق إلى غرفتها بالطابق الأعلى. كانت غرفة خشبية فسيحة، أرضيتها وجدرانها وسقفها وكل أثاثها من خشب مطلي بلون صنوبر أصفر فاتح أملس، أضفى على أجواء الغرفة دفئا مميزا. فتحت أنجلينا الباب المطل على البلكونة، فرافقها إلى الخارج. لم يصدق عينيه وهو يرى المشهد الطبيعي المرسوم أمامه من ذلك العلو. جبال شاهقة شاسعة يكسوها غلاف خلاب تمتزج فيه ألوان الصيف الصفراء والحمراء والخضراء، تغازله خيوط أشعة الشمس المتلألئة المتناثرة في الأجواء، تتخللها هنا وهناك منازل خشبية ومزارع تمتد على مدى البصر.
“واو، واو، واو!” صاح مندهشا. “أرجوك أخبريني! هل أنا في حقيقة أم حلم يا أنجلينا؟!”
“ستعرف الآن لماذا لا أقوى على التأقلم مع الحياة في لندن!”
“أتفهم الآن أكثر من أي وقت مضى يا أنجلينا! غرفة كبيرة ومريحة كهذه! وبيت فخم كهذا! ومنطقة هادئة وخلابة كهذه! وهواء منعش كهذا! ما أجمل النمسا!”
“لكن المنطقة التي تشاهدها أمامك ليس كلها النمسا!”
“ماذا إذا؟!”
“انظر إلى أسفل الجبال هناك؟” قالت وهي تشير بيدها أمامها. “عند تلك النقطة تنتهي حدود النمسا. كل ما تشاهده خلف ذلك تابع لسلوفينيا.”
“هل هذا صحيح يا أنجلينا؟! أكاد لا أصدق ما أسمع! لو لم تخبريني بذلك لما انتبهت! لا أرى أي اختلاف في الطبيعة الجغرافية والنباتية! ولا حتى في الهندسة المعمارية! وكأنها أرض واحدة!”
في غمرة دهشته، عاد شفيق بذاكرته إلى كلمات أغنيته المفضلة “تخيل” لجون لينون:

“تخيّل أنه لا توجد دول..
ليس ذلك صعبا..
لا شيء تقتل أو تموت لأجله..
ولا دين..
وتخيّل أنّ كل البشر يحيون حياتهم في سلام…”.

لم يعد “يتخيّل”، فهو الآن يشاهد بعينيه أنه “لا توجد دول”! فهذه المنطقة الجبلية أمامه تبدو واحدة بتضاريسها وغلافها النباتي وكل ما فيها. الإنسان فقط هو من رغب في تقسيمها، ومد الحدود بين جهتيها، وفصل شعبيها!

شفيق لم يكن يرغب في التفكير في هذا التقسيم. فهذا المشهد، بالنسبة له، أشبه باللوحة الزيتية الجميلة التي لا يمكن فصل أجزائها، بعضها عن بعض. فهي كل متكامل. هكذا كان يرغب في مشاهدة هذا المنظر المنبسط أمام عينيه.
فبصره لم يكن يحفل بهذا التقسيم السياسي، تماما مثل هذه الشمس الساطعة في السماء التي لا تحفل بمثل هذا التقسيم، فترى أشعتها البنفسجية تتناثر كذرات لؤلؤ على كامل أنحاء المنطقة دون تمييز!

وها هو النسيم العليل الذي يلامس وجهه، وهو جالس في هذه البلكونة في أول ليلة له في هذا البلد، يهبّ فيلامس الأشجار الباسقة، ويراقص الأوراق، ويداعب كل نبتة في كل أرجاء المنطقة، دون تمييز.

Read Previous

مقتل شيرين أبو عاقلة.. تنديد عربي ودولي ودعوات للمحاسبة

Read Next

كاتب إسرائيلي يثني على شجاعة أبو عاقلة ويتهم الدولة العبرية بـ”قتلها”

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.